الأغواط تفتح نقاشًا وطنيًا حول مكافحة الفساد وتعزيز الحوكمة
احتضنت ولاية الأغواط، اليوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، افتتاح أشغال الملتقى الوطني الموسوم بـ«المقاربة القانونية والشرعية لمكافحة الفساد في الجزائر: نحو استراتيجية شاملة للأخلاق والحوكمة»، وذلك بمركز البحث في العلوم الإسلامية والحضارة، بمشاركة حضورية وعن بُعد، في إطار تعزيز الجهود الوطنية الرامية إلى الوقاية من الفساد ومكافحته وترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة والحوكمة الرشيدة.
وجرى تنظيم هذا الملتقى بالتعاون بين السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته ومركز البحث في العلوم الإسلامية والحضارة، في مبادرة تعكس أهمية توسيع دائرة النقاش العلمي والمؤسساتي حول ظاهرة الفساد، من خلال الجمع بين المرجعيات القانونية والشرعية والأبعاد الأخلاقية والتربوية، بما يسمح بتطوير مقاربات أكثر شمولًا وفاعلية في مواجهة هذه الظاهرة.
وشهدت مراسم افتتاح الملتقى حضور والي ولاية الأغواط، إلى جانب أعضاء من مجلس السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته وإطاراتها، وممثلين عن السلطات المدنية والعسكرية، فضلًا عن أفراد الأسرة الجامعية وفعاليات المجتمع المدني. ويعكس هذا الحضور تنوع الجهات المعنية بقضايا النزاهة والشفافية، وأهمية التنسيق بين المؤسسات الرسمية والهيئات الأكاديمية والمكونات المجتمعية في دعم مساعي الوقاية من الفساد.
مقاربة شاملة تتجاوز التدابير القانونية والإجراءات المؤسساتية
أكدت الكلمة الافتتاحية للملتقى أن مكافحة الفساد في الجزائر تتطلب رؤية متكاملة لا تقتصر على سن القوانين ووضع الإجراءات التنظيمية والمؤسساتية، بل تمتد لتشمل بناء الوعي المجتمعي وترسيخ منظومة من القيم التي تجعل النزاهة سلوكًا يوميًا ومبدأً ثابتًا في مختلف مجالات الحياة العامة.
وفي هذا السياق، ألقى الأستاذ عبد المجيد قدي كلمة نيابة عن السيد أحمد جلاوي، رئيس السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته بالنيابة، تناول فيها الأبعاد المتعددة لمكافحة الفساد، مشددًا على أن هذه المهمة لم تعد مسؤولية جهة واحدة أو مؤسسة بعينها، وإنما أصبحت مسؤولية مجتمعية مشتركة تستدعي تعبئة مختلف الفاعلين وتوحيد جهودهم.
وتبرز هذه الرؤية ضرورة الانتقال من التعامل مع الفساد باعتباره مجرد مخالفة قانونية تستوجب إجراءات الردع والمساءلة، إلى معالجته ضمن إطار أوسع يجمع بين الوقاية والتوعية والتكوين وتعزيز المسؤولية الفردية والجماعية. ففاعلية القوانين والمؤسسات تزداد عندما تقترن بوعي مجتمعي راسخ يرفض الممارسات غير النزيهة، ويؤمن بأهمية احترام القانون وصيانة المصالح العامة.
كما يسلط هذا التوجه الضوء على أهمية العمل المستمر لتطوير ثقافة مؤسساتية ومجتمعية تقوم على الوضوح والمساءلة والالتزام بالقواعد القانونية والأخلاقية، بما يسهم في تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، ويدعم جهود تحسين الحوكمة في مختلف القطاعات.
المؤسسات العمومية والاقتصادية والمجتمع المدني شركاء في الوقاية من الفساد
وشددت الكلمة الافتتاحية على ضرورة تضافر جهود مختلف مكونات المجتمع في مواجهة الفساد، مع التأكيد على الدور الذي تضطلع به المؤسسات العمومية والاقتصادية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام، إلى جانب المؤسسات الأكاديمية والبحثية والهيئات الدينية والفكرية.
ويعكس هذا الطرح إدراكًا لأهمية تعدد الأدوار وتكاملها في بناء منظومة فعالة للوقاية من الفساد، بالنظر إلى أن هذه الظاهرة تتصل بجوانب إدارية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وهو ما يستدعي اعتماد وسائل متنوعة للتوعية والرقابة والتكوين والبحث.
وتتحمل المؤسسات العمومية مسؤولية ترسيخ مبادئ الشفافية في تسيير الشأن العام، واحترام القوانين والإجراءات المنظمة للعمل الإداري، فيما يسهم القطاع الاقتصادي في تعزيز الممارسات المهنية النزيهة واحترام قواعد المسؤولية والالتزام.
من جهته، يضطلع المجتمع المدني بدور مهم في نشر الوعي وتعزيز المشاركة المجتمعية في الدفاع عن قيم النزاهة، بينما تساهم وسائل الإعلام في التعريف بأهمية الشفافية والمسؤولية، ونشر الثقافة القانونية والأخلاقية، وتسليط الضوء على القضايا المرتبطة بحماية المال العام.
أما الجامعات ومراكز البحث، فتتمثل مساهمتها في إنتاج المعرفة العلمية وتطوير الدراسات المتخصصة التي تساعد على فهم أسباب الفساد وأشكاله وآثاره، واقتراح حلول تستند إلى التحليل العلمي والمعطيات الموضوعية.
ويؤكد هذا التكامل أن نجاح جهود مكافحة الفساد لا يرتبط بالإجراءات القانونية وحدها، بل يتطلب بناء شراكة واسعة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، بما يضمن استمرارية العمل الوقائي ويعزز حضور قيم النزاهة في الممارسات اليومية.
الخطاب الديني الوسطي لتعزيز الأمانة واحترام المال العام
ومن بين المحاور التي برزت خلال الكلمة الافتتاحية، أهمية الخطاب الديني الوسطي في ترسيخ القيم الأخلاقية الداعمة للشفافية والنزاهة، وتعزيز ثقافة رفض الفساد في مختلف الأوساط الاجتماعية.
وفي هذا الإطار، جرى التأكيد على دور الخطاب الديني المعتدل في نشر قيم الأمانة والاستقامة واحترام المال العام، باعتبارها مبادئ أخلاقية تسهم في توجيه السلوك الفردي والجماعي، وتعزز الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع ومؤسساته.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة بالنظر إلى أن الوقاية من الفساد لا تتوقف عند معرفة القوانين والإجراءات، بل ترتبط أيضًا بمدى استيعاب الأفراد للقيم التي تحكم التعامل مع المسؤولية والممتلكات العامة والحقوق المشتركة.
فترسيخ مفهوم الأمانة في الحياة العامة، والتأكيد على ضرورة احترام المال العام وصونه من الاستغلال غير المشروع، من شأنه أن يدعم الجهود المؤسساتية ويعزز الوعي بمخاطر الممارسات التي تضر بالمصلحة العامة.
كما أن تعزيز ثقافة رفض الفساد يستوجب خطابًا توعويًا متوازنًا يجمع بين المرجعيات الأخلاقية والقانونية، ويشجع على الالتزام بالنزاهة في مختلف المواقع والمسؤوليات، سواء داخل المؤسسات أو في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
وتنسجم هذه الرؤية مع عنوان الملتقى الذي يربط بين المقاربة القانونية والشرعية، ويؤكد الحاجة إلى الاستفادة من مختلف المرجعيات الفكرية والأخلاقية في بناء استراتيجية متكاملة للوقاية من الفساد ومكافحته.
التكامل بين القانون والأخلاق والتربية والثقافة
وأكدت الكلمة الافتتاحية ضرورة اعتماد مقاربة شاملة تتكامل فيها الأبعاد القانونية والأخلاقية والتربوية والثقافية، بما يسمح بتحويل النزاهة من مبدأ معلن إلى ثقافة راسخة وممارسة مجتمعية مستدامة.
ويعني هذا التوجه أن مواجهة الفساد تتطلب العمل على مستويات متعددة، تبدأ بتعزيز احترام القوانين والإجراءات، ولا تنتهي عند نشر الوعي الأخلاقي والتربية على المسؤولية والالتزام بالمصلحة العامة.
فالبعد القانوني يوفر الإطار الذي ينظم المسؤوليات ويحدد القواعد والالتزامات، بينما يسهم البعد الأخلاقي في دعم السلوك النزيه وتعزيز الرقابة الذاتية. أما البعد التربوي، فيساعد على غرس قيم الأمانة واحترام الحقوق منذ المراحل الأولى للتنشئة، في حين يساهم البعد الثقافي في تشكيل اتجاهات مجتمعية رافضة للفساد ومشجعة على الشفافية.
ومن هذا المنطلق، فإن بناء مجتمع أكثر نزاهة يستدعي استمرار الجهود التوعوية وتطوير البرامج التربوية والتكوينية، إلى جانب تعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية، بما يضمن عدم اقتصار مكافحة الفساد على التدخل بعد وقوع المخالفات، بل توسيع نطاق الوقاية والاستباق.
كما يبرز هذا التوجه أهمية إشراك مختلف الفئات الاجتماعية في نشر ثقافة النزاهة، وتعزيز الشعور بأن حماية المال العام مسؤولية جماعية، وأن الالتزام بالشفافية والحوكمة يمثل ركيزة أساسية لحسن تسيير المؤسسات وخدمة المصلحة العامة.
استحداث ماستر أكاديمي متعدد التخصصات لتكوين كفاءات وطنية
وفي سياق تعزيز البحث العلمي والتكوين المتخصص، تطرقت الكلمة الافتتاحية إلى استحداث ماستر أكاديمي متعدد التخصصات بالتعاون مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بهدف تكوين كفاءات وطنية قادرة على دراسة ظاهرة الفساد وتحليلها ومعالجتها وفق مقاربات علمية متكاملة.
ويعكس هذا التوجه أهمية الاستثمار في التكوين الجامعي المتخصص باعتباره أحد المسارات الداعمة للجهود الوطنية في مجال الوقاية من الفساد، من خلال إعداد كوادر تمتلك المعارف والأدوات المنهجية اللازمة لفهم الظاهرة، وتحليل أبعادها القانونية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية.
كما يتيح التكوين متعدد التخصصات إمكانية الجمع بين معارف ومناهج مختلفة، بما يساعد على تجاوز المعالجات الجزئية للفساد، وفهم العوامل المتداخلة التي قد تسهم في ظهوره واستمراره، فضلًا عن تطوير قدرات التحليل والتقييم واقتراح آليات للوقاية والمعالجة.
وتبرز أهمية هذه المبادرة كذلك في تعزيز الصلة بين الجامعة ومراكز البحث والمؤسسات المعنية بمكافحة الفساد، بما يسمح بتوجيه الجهود الأكاديمية نحو دراسة الإشكالات الواقعية، وتوفير أرضية علمية تدعم تطوير السياسات والبرامج ذات الصلة بالشفافية والنزاهة.
ويمثل التكوين المتخصص أحد العناصر المهمة في بناء قدرات وطنية قادرة على مواكبة التحديات المرتبطة بحوكمة المؤسسات، وتطوير المعرفة العلمية بشأن أساليب الوقاية من الفساد، وتعزيز ثقافة احترام القانون والمسؤولية.
وفي هذا الإطار، ينسجم استحداث الماستر الأكاديمي متعدد التخصصات مع التوجه نحو جعل البحث العلمي رافدًا أساسيًا للسياسات العمومية، من خلال الاستفادة من الخبرات الجامعية وتطوير الكفاءات التي يمكنها الإسهام في فهم الظاهرة واقتراح حلول قائمة على أسس علمية.
مركز البحث في العلوم الإسلامية والحضارة فضاء للحوار العلمي والمؤسساتي
ويبرز احتضان مركز البحث في العلوم الإسلامية والحضارة بولاية الأغواط لهذا الملتقى أهمية الفضاءات العلمية والأكاديمية في تنظيم النقاشات المتعلقة بالقضايا الوطنية ذات الأبعاد القانونية والأخلاقية والاجتماعية.
فالجمع بين السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته ومركز البحث في العلوم الإسلامية والحضارة يوفر إطارًا للحوار حول سبل تعزيز التكامل بين العمل المؤسساتي والبحث العلمي والمرجعيات القيمية، بما يخدم الجهود الرامية إلى الوقاية من الفساد.
كما أن تنظيم الأشغال بصيغة حضورية وعن بُعد يتيح توسيع نطاق المشاركة وتبادل الرؤى، ويدعم فرص التواصل العلمي بين المهتمين بالموضوع، في سياق يتطلب الاستفادة من مختلف الخبرات والمقاربات ذات الصلة.
ويعكس الملتقى، من خلال موضوعه والجهات المنظمة له، أهمية تناول مكافحة الفساد باعتبارها قضية متعددة الأبعاد، تتطلب تنسيقًا بين المؤسسات المختصة والجامعات ومراكز البحث والفاعلين الاجتماعيين، مع الاستفادة من المعرفة العلمية والقيم الأخلاقية في تطوير أساليب الوقاية وتعزيز الحوكمة.
الحوكمة الرشيدة والشفافية ركيزتان لحماية المصلحة العامة
ويجسد تنظيم هذا الملتقى الوطني أهمية التكامل بين المرجعيات القانونية والقيم الأخلاقية والبحث العلمي في دعم الجهود الوطنية الرامية إلى الوقاية من الفساد ومكافحته، وترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة والحوكمة الرشيدة.
وتؤكد محاور الملتقى أن التعامل مع الفساد يستدعي رؤية بعيدة المدى، تقوم على الجمع بين تطوير الأطر القانونية والمؤسساتية، وتعزيز الوعي المجتمعي، وتفعيل دور المؤسسات الأكاديمية والدينية والإعلامية، إلى جانب الاستثمار في التكوين المتخصص والبحث العلمي.
كما يبرز هذا التوجه ضرورة ترسيخ ثقافة المسؤولية واحترام المال العام، وتعزيز قيم الأمانة والاستقامة، بما يدعم الممارسات النزيهة ويسهم في حماية المصلحة العامة.
وفي المحصلة، تشكل أشغال الملتقى المنعقد بولاية الأغواط مناسبة لتعميق النقاش حول آليات بناء استراتيجية شاملة لمكافحة الفساد، تستند إلى تكامل القانون والأخلاق والتربية والثقافة، وتستفيد من دور البحث العلمي في إعداد الكفاءات وتطوير المعرفة، بما يعزز حضور الشفافية والنزاهة والحوكمة الرشيدة في مختلف مجالات الحياة العامة.
للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا
للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا
للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا
للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا
للمزيد من فيديوهات media maghreb بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا
للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا
Share this content:



إرسال التعليق