اليوم الوطني للكتاب

إحياء اليوم الوطني للكتاب والمكتبة في الجزائر.. معركة الوعي التي تنتصر على النسيان

في السابع من جوان من كل سنة، لا تستحضر الجزائر مجرد مناسبة ثقافية عابرة أو احتفالية رمزية مرتبطة بالكتاب والمكتبة، بل تستدعي واحدة من أكثر المحطات دلالة في تاريخها الثقافي والوطني. فهذا التاريخ الذي تم ترسيمه رسمياً يوماً وطنياً للكتاب والمكتبة، يحمل في جوهره رسالة تتجاوز حدود القراءة والنشر، ليصبح موعداً سنوياً للتذكير بأن معركة التحرر الوطني لم تكن عسكرية وسياسية فقط، بل كانت أيضاً معركة من أجل الذاكرة والمعرفة والهوية. وقد جاء اختيار هذا التاريخ مرتبطاً بذكرى إحراق مكتبة جامعة الجزائر المركزية في السابع من جوان 1962، قبل أسابيع قليلة من استعادة السيادة الوطنية، في واحدة من أبشع الجرائم الثقافية التي استهدفت الرصيد المعرفي الجزائري.

 

  قرار الترسيم وأبعاده الاستراتيجية

لقد شكل قرار ترسيم السابع من جوان يوماً وطنياً للكتاب والمكتبة خطوة سياسية وثقافية تحمل أبعاداً عميقة. فالمرسوم الرئاسي الصادر سنة 2021 لم يأتِ فقط لتكريس مناسبة ثقافية جديدة ضمن الرزنامة الوطنية، وإنما جاء ليؤكد أن الدولة الجزائرية تنظر إلى المعرفة باعتبارها أحد أعمدة بناء المستقبل، وأن المكتبة لم تعد مجرد فضاء لحفظ الكتب، بل مؤسسة استراتيجية لصناعة الوعي الجماعي وترسيخ قيم المواطنة والانفتاح الفكري.

 

  جريمة إحراق مكتبة جامعة الجزائر

وعندما نتأمل خلفيات هذا التاريخ، ندرك أن اختيار السابع من جوان لم يكن اعتباطياً. ففي ذلك اليوم من سنة 1962 تعرضت مكتبة الجامعة المركزية بالجزائر العاصمة إلى عملية إحراق ممنهجة نفذتها المنظمة المسلحة السرية الفرنسية، ما أدى إلى تدمير مئات الآلاف من الكتب والمخطوطات والوثائق النادرة. ولم يكن الهدف آنذاك إتلاف ممتلكات مادية فحسب، بل كان محاولة لطمس ذاكرة شعب بأكمله وتجريده من أدوات المعرفة التي تحفظ تاريخه وهويته الحضارية.

 

  حجم الخسارة الثقافية

وتشير المعطيات التاريخية إلى أن الحريق الهائل أتلف ما يقارب أربعمائة ألف كتاب ومخطوط من أصل ستمائة ألف كانت تضمها المكتبة، وهو رقم يعكس حجم الخسارة الثقافية التي تكبدتها الجزائر في الأيام الأخيرة من الحقبة الاستعمارية. كما أن ما تم إنقاذه من الرصيد الوثائقي ظل شاهداً على حجم الجريمة الثقافية التي استهدفت إحدى أهم المؤسسات العلمية في شمال إفريقيا آنذاك.

a-3 إحياء اليوم الوطني للكتاب والمكتبة في الجزائر.. معركة الوعي التي تنتصر على النسيان

  من استذكار الماضي إلى رهانات الحاضر

إن استحضار هذه الذكرى اليوم لا يتم من باب اجترار آلام الماضي فقط، وإنما من أجل فهم طبيعة الرهانات الراهنة. ففي عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، أصبحت الأمم تقاس بقدرتها على إنتاج المعرفة وتداولها أكثر مما تقاس بثرواتها الطبيعية. ومن هذا المنطلق تكتسب المكتبات العمومية والجامعية دوراً محورياً في بناء مجتمع المعرفة الذي تسعى الجزائر إلى ترسيخه ضمن مسارات التنمية الشاملة والتحول الرقمي.

 

  حركية قطاع الكتاب في الجزائر

وخلال السنوات الأخيرة، شهد قطاع الكتاب في الجزائر حركية متزايدة من خلال دعم التظاهرات الثقافية الكبرى وتعزيز شبكة المكتبات العمومية عبر مختلف الولايات. كما تحولت المكتبات إلى فضاءات مفتوحة للنقاش والتكوين والأنشطة الفكرية، بعدما كانت وظيفتها التقليدية تقتصر على الإعارة وحفظ الأرصدة الوثائقية.

 

  تحديات العصر الرقمي

وتبرز أهمية هذه الديناميكية في ظل التحولات التي يعرفها المشهد الثقافي العالمي، حيث تواجه القراءة تحديات متزايدة بفعل هيمنة الوسائط الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي. ورغم ذلك، تؤكد التجارب الدولية أن المجتمعات الأكثر تقدماً هي تلك التي نجحت في التوفيق بين الثورة الرقمية وثقافة الكتاب، وجعلت من التكنولوجيا أداة لتعزيز المطالعة لا بديلاً عنها.

 

  الصالون الدولي للكتاب ودوره الثقافي

وفي الجزائر، لا يمكن الحديث عن الكتاب دون التوقف عند الصالون الدولي للكتاب الذي يعد أحد أكبر المواعيد الثقافية في المنطقة العربية والإفريقية. فقد تحول هذا الحدث خلال العقود الماضية إلى منصة تجمع الناشرين والكتاب والقراء من مختلف دول العالم، وأسهم في ترسيخ عادة اقتناء الكتاب لدى شرائح واسعة من المجتمع.

 

  مؤشرات الإقبال على القراءة

وتكشف الأرقام الخاصة بالصالون الدولي للكتاب عن حجم الاهتمام الشعبي بالقراءة، إذ يستقطب سنوياً نحو ثلاثة ملايين زائر ويشهد مشاركة أكثر من ألف ناشر من عشرات الدول، مع عرض مئات الآلاف من العناوين في مختلف مجالات الفكر والأدب والعلوم. وهي مؤشرات تؤكد أن الكتاب ما يزال يحتفظ بمكانته داخل المجتمع الجزائري رغم التحولات الرقمية المتسارعة.

 

  أبعاد استراتيجية للكتاب والمعرفة

ولا يقتصر دور الكتاب على الجانب الثقافي فقط، بل يتعداه إلى أبعاد سياسية واستراتيجية. فالمجتمعات القارئة أكثر قدرة على إنتاج النخب وصناعة القرار ومواجهة الأخبار الزائفة وخطابات التطرف والكراهية. كما أن الاستثمار في المعرفة يعد اليوم أحد أهم عناصر الأمن القومي للدول التي تسعى إلى تعزيز استقلالها الفكري والحضاري في عالم شديد التنافسية.

 

  تقييم السياسات الثقافية

ومن هذا المنظور، يصبح الاحتفال باليوم الوطني للكتاب والمكتبة مناسبة لتقييم السياسات العمومية المرتبطة بالقراءة والنشر والتوزيع. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تنظيم التظاهرات والاحتفالات فحسب، وإنما في بناء منظومة متكاملة تجعل الكتاب في متناول الجميع، سواء في المدن الكبرى أو المناطق النائية، وتضمن استمرارية الفعل القرائي لدى مختلف الفئات العمرية.

 

  دور المدرسة والجامعة

كما تشكل المدرسة والجامعة الحلقة المركزية في هذه المعادلة، إذ لا يمكن ترسيخ ثقافة القراءة خارج فضاءات التربية والتعليم. فكل التجارب الناجحة في العالم انطلقت من ربط الكتاب بالمناهج التعليمية وبالممارسة اليومية للتلميذ والطالب، بما يحول المطالعة من نشاط موسمي إلى سلوك مجتمعي دائم.

 

  دور الأسرة في ترسيخ القراءة

وفي السياق ذاته، تلعب الأسرة دوراً محورياً في غرس حب القراءة لدى الأطفال. فالطفل الذي ينشأ في بيئة تحترم الكتاب وتخصص له مساحة داخل البيت يكون أكثر استعداداً للنجاح الدراسي والانخراط الإيجابي في الحياة العامة. ولذلك فإن الاحتفاء بالكتاب ينبغي أن يتحول إلى مشروع مجتمعي شامل تشارك فيه المؤسسات الرسمية والمدنية والإعلامية على حد سواء.

 

  أهمية الإعلام الثقافي

وتبرز أهمية الإعلام الثقافي في هذا المجال باعتباره شريكاً أساسياً في الترويج للقراءة وإبراز الإنتاج الفكري الوطني. فكلما ازدادت مساحة الكتاب في وسائل الإعلام، ارتفعت فرص وصوله إلى الجمهور الواسع، خاصة في ظل المنافسة الشديدة التي تفرضها المنصات الرقمية والمحتويات السريعة.

 

  أسئلة المستقبل الثقافي

إن اليوم الوطني للكتاب والمكتبة ليس مناسبة للاحتفال بالماضي فقط، بل فرصة لطرح أسئلة المستقبل: كيف يمكن تطوير صناعة النشر؟ وكيف يمكن دعم الكاتب الجزائري؟ وما هي الآليات الكفيلة بجعل القراءة ممارسة يومية؟ وكيف يمكن للمكتبات أن تتحول إلى مراكز للإبداع والابتكار والمعرفة الرقمية؟

 

  الاقتصاد المعرفي ورهانات التنمية

هذه الأسئلة تكتسب راهنية أكبر في ظل التحولات العالمية التي جعلت الاقتصاد المعرفي المحرك الرئيسي للنمو. فالدول التي تستثمر في الكتاب والبحث العلمي والمكتبات هي نفسها الدول التي تتصدر مؤشرات التنمية والابتكار والتنافسية الدولية.

 

  رهان بناء مجتمع قارئ

وفي الجزائر، يبدو الرهان واضحاً: بناء مجتمع قارئ قادر على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين بأدوات المعرفة والعلم. وهو رهان لا يتحقق بالقرارات الإدارية وحدها، بل يحتاج إلى تعبئة وطنية شاملة تجعل الكتاب جزءاً من الحياة اليومية للمواطن.

 

  رمزية السابع من جوان

لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي تحافظ على ذاكرتها الثقافية قادرة على صناعة مستقبلها بثقة أكبر. ومن هنا تأتي رمزية السابع من جوان الذي يجمع بين استذكار جريمة استهدفت المعرفة وبين الاحتفاء بإرادة شعب اختار أن يجعل من الكتاب رمزاً للمقاومة والبناء في آن واحد.

 

  معركة الوعي المتواصلة

وبين رماد مكتبة أحرقت قبل أكثر من ستة عقود، وأجيال جديدة تتوافد اليوم على المكتبات والمعارض والفضاءات الثقافية، تواصل الجزائر كتابة فصل جديد من معركة الوعي. إنها معركة لا تُحسم بالسلاح ولا بالشعارات، بل تُحسم بالكتاب، وبالقارئ، وبالمكتبة التي تبقى الحصن الأخير للذاكرة والمعرفة والهوية الوطنية.

 

للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا 

للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا 

للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا 

للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا 

للمزيد من فيديوهات media maghreb  بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا 

للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا 

Share this content:

إرسال التعليق