تبون وفاديفول في الجزائر.. حين تتحول الشراكة الجزائرية ـ الألمانية إلى ورقة في إعادة تشكيل المتوسط
لم يكن استقبال رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لوزير الشؤون الخارجية لجمهورية ألمانيا الاتحادية يوهان فاديفول، في الجزائر، مجرد محطة بروتوكولية في زيارة دبلوماسية عابرة، بل جاء في توقيت شديد الحساسية بالنسبة إلى أوروبا والجزائر معاً. فاللقاء الذي جمع الرجلين في العاصمة الجزائرية يندرج ضمن مسار أخذ خلال الأشهر الأخيرة طابعاً أكثر استراتيجية، بعدما انتقلت العلاقات بين البلدين من مساحة التعاون التقليدي إلى بحث ملفات الطاقة والاستثمار والتحول الصناعي والأمن الإقليمي والتعاون في المتوسط والساحل. وحضر اللقاء من الجانب الجزائري وزير الدولة وزير الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية أحمد عطاف، ووزير الدولة المكلف بالمفتشية العامة لمصالح الدولة والجماعات المحلية إبراهيم مراد، والمستشار لدى رئيس الجمهورية المكلف بالشؤون الدبلوماسية عمار عبّة، وسفير الجزائر لدى ألمانيا العربي لطرش، بما يعكس مستوى التمثيل الذي رافق المحادثات.
إعلان استراتيجي جديد بين الجزائر وألمانيا
وتكتسب الزيارة وزناً إضافياً لأنها تأتي بعد أسابيع قليلة من زيارة الرئيس تبون إلى ألمانيا، التي أفضت في جويلية/تموز 2026 إلى اعتماد إعلان مشترك حول أجندة استراتيجية للشراكة الثنائية. ذلك الإعلان لم يكتفِ بتأكيد الرغبة السياسية في تطوير العلاقات، وإنما وضع مجموعة واسعة من الملفات على طاولة التعاون، من الطاقة والهيدروجين والبنية التحتية والتكنولوجيا والنقل والصحة والصناعات الدوائية إلى المعادن الحرجة والزراعة والصناعة، فضلاً عن البحث العلمي والابتكار والتبادل الأكاديمي. كما تضمن التوجه نحو إعادة إطلاق اللجنة الاقتصادية المشتركة وإنشاء مجلس أعمال ثنائي يمكن أن يشكل منصة أكثر انتظاماً لربط المؤسسات الاقتصادية في البلدين.
زيارة فاديفول.. متابعة لما تم الاتفاق عليه في برلين
ومن هنا تبدو زيارة فاديفول إلى الجزائر أقرب إلى عملية متابعة سياسية لما تم الاتفاق عليه في برلين منها إلى زيارة استطلاعية. فالدبلوماسية لا تقاس فقط بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بقدرة العواصم على تحويلها إلى آليات تنفيذ ومشروعات واستثمارات. واللافت أن الوزير الألماني لم يأتِ إلى الجزائر منفرداً في مسار دبلوماسي مغلق، بل رافق زيارته اهتمام واضح بالقطاع الاقتصادي ولقاءات مع ممثلي الشركات الألمانية، في إشارة إلى أن برلين باتت تنظر إلى الجزائر بوصفها سوقاً وشريكاً استثمارياً ومصدراً محتملاً للطاقة في آن واحد. وقد أعلنت برلين أن زيارة فاديفول إلى تونس والجزائر تستهدف توسيع التجارة والاستثمار والاستفادة من الموقع المتوسطي للبلدين، باعتبارهما جارين مباشرين للاتحاد الأوروبي.
الغاز الجزائري في الحسابات الألمانية
لكن الطاقة تظل، في الحساب الواقعي، أكثر الملفات قدرة على تفسير الحراك الألماني تجاه الجزائر. فبرلين، التي أعادت منذ الحرب الروسية على أوكرانيا ترتيب خريطة أمنها الطاقوي، تحتاج إلى تنويع مصادرها وتقليل هشاشتها أمام أي اضطراب في الإمدادات. وفي هذا السياق، تحدث فاديفول خلال وجوده في الجزائر عن إمكانية إبرام عقود طويلة الأمد للحصول على الغاز الجزائري، مشيراً إلى أن الجزائر مورد موثوق يزود بالفعل أسواقاً أوروبية مثل إيطاليا وإسبانيا. ورغم عدم وجود مؤشرات حالياً على أزمة غاز ألمانية وشيكة، فإن مستويات التخزين الألمانية بقيت أقل من مستويات السنوات السابقة، الأمر الذي يجعل تنويع مصادر الإمداد جزءاً من حسابات الأمن القومي والاقتصادي الألماني، وليس مجرد صفقة تجارية ظرفية.
من الغاز الطبيعي إلى الهيدروجين الأخضر
والأهم أن الحديث الألماني عن الجزائر لا يتوقف عند الغاز الطبيعي. فالشراكة الجديدة تتجه تدريجياً إلى الجمع بين الطاقة التقليدية والطاقة النظيفة، وهي معادلة تبدو منطقية بالنسبة إلى برلين التي تريد تأمين احتياجاتها الحالية، والاستعداد في الوقت نفسه لاقتصاد أوروبي أقل اعتماداً على الوقود الأحفوري. وفي الإعلان الاستراتيجي الموقع في جويلية، أكد الطرفان الأهمية الخاصة لمشروع الممر الجنوبي للهيدروجين، باعتباره حلقة وصل مستدامة بين شمال إفريقيا وأوروبا، كما جددا الاهتمام بالتعاون في الهيدروجين الأخضر ومشروعات Power-to-X وخفض انبعاثات الميثان وحماية المناخ. وتملك الجزائر، بحكم مواردها الشمسية الهائلة وموقعها الجغرافي وقربها من الشبكات الأوروبية، مقومات تجعلها مرشحة للعب دور مهم في هذه المعادلة.
الشراكة الجزائرية ـ الألمانية.. من الطاقة إلى الصناعة والتكنولوجيا
وهنا تحديداً تظهر إحدى أهم نقاط التحول في العلاقة الجزائرية ـ الألمانية: الانتقال من نموذج «الغاز مقابل السوق» إلى نموذج أكثر تعقيداً يقوم على الطاقة والصناعة والتكنولوجيا. فالجزائر لا تريد أن تُختزل في وظيفة المورد الطاقوي، بينما تحتاج ألمانيا إلى شركاء قادرين على المساهمة في سلاسل إنتاج جديدة مرتبطة بالطاقة النظيفة والصناعات التحويلية. ولذلك أُدرجت قطاعات الصناعة والنقل والأدوية والتكنولوجيا والمعادن الحرجة والزراعة ضمن مجالات التعاون المستقبلية. وإذا نجح الطرفان في تحويل هذه العناوين إلى استثمارات فعلية، فقد يصبح التعاون الاقتصادي أحد أكثر مكونات العلاقة الثنائية استدامة، بدلاً من أن يبقى رهين أسعار الطاقة أو تقلبات الأسواق الدولية.
التجارة الثنائية.. قاعدة اقتصادية قابلة للتوسع
وتكشف أرقام التجارة عن وجود قاعدة اقتصادية قائمة بالفعل، وإن كانت لا تزال دون مستوى الإمكانات السياسية والجغرافية للبلدين. فبحسب المعطيات الرسمية الألمانية، تعد ألمانيا سادس أكبر مورّد للجزائر، وتشمل الصادرات الألمانية إلى السوق الجزائرية المواد الغذائية والكيماوية والسيارات وقطع الغيار والآلات، بينما تتمثل أبرز الواردات الألمانية من الجزائر في النفط والغاز والبتروكيماويات. وسجلت التجارة الثنائية في عام 2023 صادرات ألمانية بنحو 2.1 مليار يورو مقابل واردات بنحو 1.5 مليار يورو، فيما تضم الغرفة الجزائرية ـ الألمانية للصناعة والتجارة أكثر من 450 عضواً، وهي قاعدة يمكن البناء عليها في حال تحولت التفاهمات السياسية الجديدة إلى مشروعات صناعية مشتركة.
الجزائر وألمانيا أمام فضاء إقليمي متغير
غير أن الاقتصاد ليس سوى طبقة واحدة من قصة هذه الزيارة. فالجزائر وألمانيا تتحركان داخل فضاء إقليمي متغير بصورة عميقة، من الضفة الجنوبية للمتوسط إلى الساحل الإفريقي، مروراً بليبيا وتونس وملفات الهجرة والأمن والطاقة. وقد ناقش عطاف وفاديفول، بالتزامن مع التحضيرات للقاء الرئيس تبون، التطورات في الشرق الأوسط والساحل وآفاق التعاون الأورومتوسطي، وهو ما يضع المحادثات في سياق أوسع من العلاقات الثنائية. بالنسبة إلى برلين، لم يعد استقرار جنوب المتوسط قضية خارجية بعيدة، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بأمن أوروبا والطاقة والهجرة ومكافحة الإرهاب وحماية طرق التجارة.
الجزائر.. شريك لا يمكن اختزاله في ملف واحد
وفي هذا المشهد تبرز الجزائر باعتبارها دولة لا يمكن لأوروبا أن تتعامل معها بمنطق الملف الواحد. فالجزائر تقع على تماس مباشر مع أزمات الساحل، وتمتلك حدوداً واسعة وخبرة طويلة في مكافحة الإرهاب، كما ترتبط تاريخياً واجتماعياً وأمنياً بفضاء مالي والنيجر وليبيا ومنطقة الصحراء الكبرى. وفي السنوات الأخيرة، تزايد الاهتمام الأوروبي بالدور الجزائري في محيطها الجنوبي، خصوصاً مع تراجع النفوذ الفرنسي في أجزاء من الساحل وصعود أدوار روسية وتركية وصينية وغيرها. وتكمن أهمية الجزائر بالنسبة إلى الأوروبيين في أنها تستطيع، بحكم موقعها وعلاقاتها الإقليمية، أن تكون طرفاً في أي مقاربة تستهدف منع انتقال عدم الاستقرار من الساحل إلى شمال إفريقيا والضفة الشمالية للمتوسط.
السيادة وعدم التدخل.. المقاربة الجزائرية
لكن الجزائر تدخل هذا الحوار من موقع سياسي مختلف عن الموقع الأوروبي. فهي تؤكد باستمرار على مبدأ السيادة وعدم التدخل، وتتحفظ تاريخياً على المقاربات الأمنية التي تجعل دول الجنوب مجرد ساحات لتنفيذ أجندات أوروبية مرتبطة بالهجرة أو مكافحة الإرهاب. ومن ثم فإن أي تعاون جزائري ـ ألماني في المجال الأمني أو في الساحل سيكون أكثر قابلية للحياة إذا قام على مبدأ الشراكة واحترام خصوصية المقاربات الوطنية، لا على محاولة نقل نماذج أمنية جاهزة من أوروبا إلى المنطقة. وهذه نقطة مهمة لأن الجزائر تنظر إلى استقرار الساحل باعتباره قضية مرتبطة بالتنمية والحدود والسيادة والحوار السياسي بقدر ارتباطه بالتهديدات الأمنية.
برلين تعيد اكتشاف أهمية المتوسط
أما البعد المتوسطي، فيمنح العلاقة بعداً إضافياً. ألمانيا ليست دولة متوسطية بالمعنى الجغرافي، لكنها أصبحت خلال السنوات الأخيرة أكثر إدراكاً لحقيقة أن مستقبل الأمن الاقتصادي والسياسي الأوروبي يتشكل أيضاً في الضفة الجنوبية. ولذلك وصف الجانب الألماني العلاقات مع تونس والجزائر، وهما جاران مباشران للاتحاد الأوروبي، بأنها عنصر مهم في تعزيز التعاون المتوسطي في مواجهة التحديات العالمية. ومن اللافت أن فاديفول كان قد التقى نظيريه التونسي والجزائري عدة مرات منذ توليه منصبه، بما يوحي بأن برلين تسعى إلى بناء شبكة اتصالات سياسية أكثر انتظاماً مع دول شمال إفريقيا، لا الاكتفاء بالعلاقات التي تمر عبر مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
الحرب في أوكرانيا وتداعياتها على الدبلوماسية الألمانية
وفي الخلفية، لا يمكن تجاهل الحرب في أوكرانيا وتأثيراتها غير المباشرة على كل الحسابات الأوروبية في شمال إفريقيا. فوزير الخارجية الألماني الذي كان في الجزائر في الوقت نفسه الذي كانت فيه برلين تواجه تطورات أمنية جديدة مرتبطة بما وصفته السلطات الألمانية بهجوم بطائرة مسيرة في مطار لايبزيغ/هاله، كان يحمل معه إلى المنطقة هواجس أوروبا الأمنية المتصاعدة. وقد أعلن الجانب الألماني لاحقاً اتهام جهات روسية بالوقوف وراء محاولة الهجوم، بينما أكد فاديفول أن بلاده لن تسمح بترهيبها وأنها سترد على الهجمات دون «رد فعل مبالغ فيه». وبينما لا يعني ذلك وجود صلة مباشرة بين ملف روسيا والمحادثات الجزائرية، فإنه يوضح المناخ الدولي الذي تتحرك فيه الدبلوماسية الألمانية حالياً.
الجزائر وسياسة تنويع الشراكات
وتملك الجزائر في المقابل علاقات تاريخية مع روسيا، إضافة إلى علاقاتها مع الصين وأوروبا والولايات المتحدة، وهو ما يمنح سياستها الخارجية هامش حركة أوسع ويجعلها شريكاً يصعب تصنيفه ضمن محور واحد. ومن منظور برلين، قد تكون قيمة الجزائر تحديداً في قدرتها على التواصل مع أطراف متعددة في بيئة دولية أصبحت شديدة الاستقطاب. أما من منظور الجزائر، فإن الانفتاح على ألمانيا وأوروبا لا يعني التخلي عن علاقاتها الأخرى، بل يمكن أن يكون جزءاً من سياسة تنويع الشراكات الاقتصادية والسياسية، والحصول على التكنولوجيا والاستثمار والأسواق من دون الدخول في اصطفاف جيوسياسي مغلق. هذه المعادلة تفسر جانباً من الحذر المتبادل الذي يطبع العلاقة: تقارب متزايد، ولكن دون تحالفات صلبة أو تبعية سياسية.
الصحراء الغربية.. ملف يختبر حدود التقارب
وهناك ملف آخر لا يمكن عزله عن الحسابات الإقليمية، وهو قضية الصحراء الغربية. فبرلين حافظت على علاقات وثيقة مع الجزائر، لكنها في الوقت نفسه طورت موقفاً داعماً للمقترح المغربي للحكم الذاتي باعتباره أساساً للتفاوض ضمن المسار الأممي. وقد أعادت ألمانيا والمغرب في أبريل/نيسان 2026 تأكيد التزامهما بالمسار الذي تقوده الأمم المتحدة، مع الإشارة إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي وإلى قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 2025. وبالنسبة إلى الجزائر، التي تعتبر قضية الصحراء الغربية جزءاً أساسياً من سياستها الإقليمية، فإن هذا الموقف الألماني يمثل عاملاً ينبغي أخذه في الاعتبار عند تقييم حدود التقارب مع برلين.
الفصل الوظيفي بين الخلاف والتعاون
ومع ذلك، فإن اللافت في العلاقات الجزائرية ـ الألمانية أن الخلاف في هذا الملف لم يمنع البلدين من بناء أجندة تعاون واسعة. وهذه نقطة تستحق الانتباه، لأنها تعكس نوعاً من «الفصل الوظيفي» بين الملفات: يمكن أن يختلف الطرفان حول قضية إقليمية، لكنهما يتعاونان في الطاقة والصناعة والهيدروجين والتكنولوجيا والاقتصاد. وقد يكون هذا النموذج أكثر واقعية من انتظار توافق سياسي شامل قبل إطلاق أي شراكة اقتصادية، خصوصاً في منطقة المغرب العربي التي تتقاطع فيها الملفات الثنائية مع التنافسات الإقليمية والدولية.
القضية الفلسطينية في الحسابات السياسية
وفي الشرق الأوسط، تظل القضية الفلسطينية حاضرة في حسابات الدبلوماسية الجزائرية والألمانية، وإن اختلفت مقاربات البلدين في بعض المراحل. فقد تبنى فاديفول خلال عام 2025 مواقف أكثر تشدداً تجاه بعض التطورات المرتبطة بالحرب في غزة، ودعا إلى وقف إطلاق النار وإلى حل سياسي، كما أكد في مناسبات أخرى أن الحل الدائم للصراع لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي المقابل، تحتفظ الجزائر بموقف معروف يقوم على دعم الحقوق الفلسطينية والدفع باتجاه حل سياسي يستند إلى قرارات الشرعية الدولية. لذلك فإن التطورات في غزة والشرق الأوسط تظل من الملفات التي يمكن أن تظهر في الحوارات السياسية بين الجزائر وبرلين، خصوصاً مع اتساع الدور الأوروبي في البحث عن تسويات إقليمية.
استقبال تبون لفاديفول.. رسالة سياسية إلى أوروبا
ومن الناحية الجزائرية، يحمل استقبال تبون لوزير الخارجية الألماني أيضاً رسالة تتعلق بمكانة الجزائر في الدبلوماسية الأوروبية. فاختيار قصر الرئاسة محطة للوزير الألماني، بعد محادثاته مع أحمد عطاف، يعني أن ملف العلاقة بات يحظى بمستوى سياسي يتجاوز التنسيق الوزاري العادي. وحين يوضع هذا الاستقبال بجوار زيارة الرئيس تبون إلى ألمانيا في جويلية، والإعلان الاستراتيجي المشترك الذي خرجت به تلك الزيارة، يصبح واضحاً أن الطرفين يحاولان بناء مسار متدرج: قرار سياسي في القمة، ثم متابعة دبلوماسية، ثم البحث عن آليات اقتصادية ومشروعات قابلة للتنفيذ.
الاختبار الحقيقي.. من البيانات إلى المشروعات
المسألة الأهم في المرحلة المقبلة لن تكون عدد البيانات الصادرة عن البلدين، وإنما ما إذا كان هذا الزخم سيصل إلى أرض الواقع. هل ستدخل الشركات الألمانية بقوة أكبر إلى السوق الجزائرية؟ هل ستظهر عقود طويلة الأجل للغاز؟ هل يتحول مشروع الهيدروجين الأخضر والممر الجنوبي إلى بنية تحتية ملموسة؟ وهل تستطيع اللجنة الاقتصادية المشتركة ومجلس الأعمال المزمع إنشاؤه تجاوز نمط الاجتماعات التقليدية إلى صناعة مشروعات وشراكات؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت الشراكة الجزائرية ـ الألمانية قد دخلت فعلاً مرحلة استراتيجية جديدة، أم أنها ستظل في حدود التفاهم السياسي الجيد.
المصالح الاقتصادية المشتركة بين الجزائر وألمانيا
وهناك مصلحة جزائرية واضحة في نجاح هذا المسار. فالاقتصاد الجزائري يسعى إلى توسيع قاعدة الاستثمار والإنتاج المحلي، والاستفادة من التكنولوجيا والخبرة الأجنبية، وتقليل الاعتماد على تصدير المحروقات وحدها، فيما يمثل السوق الأوروبي الأقرب جغرافياً أحد أهم الأسواق المحتملة للمنتجات الجزائرية المستقبلية. أما ألمانيا، فهي تحتاج إلى موارد طاقة موثوقة، وشركاء قريبين جغرافياً، وفرص استثمار جديدة، فضلاً عن مصادر للهيدروجين الأخضر والمواد الأولية والمعادن الضرورية للتحول الصناعي. وبالتالي فإن المصالح الاقتصادية الموضوعية بين البلدين تتقاطع بصورة أكبر مما توحي به أحياناً العناوين السياسية اليومية.
إدارة دقيقة للملفات الحساسة
لكن نجاح العلاقة يحتاج أيضاً إلى إدارة دقيقة للملفات السياسية الحساسة. فالجزائر لن تتخلى عن ثوابتها المتعلقة بالسيادة والقضية الفلسطينية والصحراء الغربية وعلاقاتها المتعددة الاتجاهات، وألمانيا لن تتخلى عن التزاماتها الأوروبية ومقاربتها للأمن الأوروبي والعلاقات مع شركائها في المغرب العربي. ولذلك فإن أفضل وصف للمسار الجاري هو أنه محاولة لبناء شراكة تقوم على المصالح المشتركة مع إبقاء نقاط الاختلاف داخل إطار الحوار. وهذا النموذج، إذا نجح، يمكن أن يقدم مثالاً على كيفية إدارة العلاقات بين دولتين لا تتطابقان في كل الملفات، لكنهما تملكان مصالح قوية تدفعهما إلى التعاون.
أوروبا تعيد اكتشاف جغرافيتها الجنوبية
ومن زاوية أوسع، فإن زيارة فاديفول إلى الجزائر تكشف شيئاً يتجاوز حدود العلاقات الثنائية: أوروبا تعيد اكتشاف جغرافيتها الجنوبية. فالاضطرابات في الساحل، وأمن الطاقة، والهجرة، وتداعيات الحرب الروسية ـ الأوكرانية، والتحول الأخضر، والمنافسة الدولية على الأسواق الإفريقية، كلها تدفع العواصم الأوروبية إلى إعادة تقييم علاقتها بدول المغرب العربي. وفي هذه المعادلة تبدو الجزائر مختلفة عن كثير من شركائها الإقليميين بسبب حجمها الجغرافي والطاقوي، وموقعها في قلب شمال إفريقيا، وثقلها السياسي والأمني، وقدرتها على التواصل مع دوائر دولية متعددة.
الشراكة الجزائرية ـ الألمانية وإعادة رسم العلاقة مع أوروبا
وبذلك يمكن قراءة لقاء تبون وفاديفول بوصفه حلقة جديدة في إعادة رسم العلاقة بين الجزائر وأوروبا من بوابة برلين. فالمعادلة لم تعد تقوم فقط على شراء الغاز أو بيع المعدات الصناعية، وإنما على البحث عن شبكة مصالح متبادلة تشمل الطاقة التقليدية والنظيفة، الاستثمار والتصنيع، التكنولوجيا، النقل والصحة، والاستقرار الإقليمي. وإذا نجحت الجزائر في تحويل موقعها الجغرافي وثرواتها الطاقوية إلى قيمة صناعية وتكنولوجية، ونجحت ألمانيا في تقديم استثمارات طويلة النفس بدلاً من الاكتفاء بعلاقات تجارية محدودة، فإن الشراكة قد تصبح واحدة من أكثر العلاقات الجزائرية ـ الأوروبية قابلية للتوسع خلال السنوات المقبلة.
عام 2026.. نقطة تحول محتملة في العلاقات الجزائرية الألمانية
في النهاية، فإن دلالة زيارة وزير الخارجية الألماني إلى الجزائر لا تكمن فقط في صورة اجتماع جمعه بالرئيس عبد المجيد تبون، وإنما في اللحظة التي جاءت فيها هذه الصورة. ألمانيا تبحث عن أمن طاقوي واستراتيجي في عالم مضطرب، والجزائر تبحث عن شراكات اقتصادية وتكنولوجية وسياسية أوسع دون التخلي عن استقلالية قرارها. وبين الهدفين مساحة واسعة للتفاهم، لكنها ليست خالية من الحسابات والمصالح والتباينات. وإذا استطاع الطرفان الانتقال من لغة «تعزيز العلاقات» إلى لغة العقود والاستثمارات والمشروعات، فقد يكون عام 2026 نقطة تحول حقيقية في العلاقة بين الجزائر وبرلين، وفي موقع الجزائر داخل الحسابات الأوروبية الجديدة للمتوسط والساحل وشمال إفريقيا.
للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا
للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا
للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا
للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا
للمزيد من فيديوهات media maghreb بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا
للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا
Share this content:



إرسال التعليق