الروابط الإنسانية

رحلة الرّوابط الإنسانيّة من العمق إلى السّطح

بقلم أحمد جعدي … تُعدّ الأحاديث اليوميّة الّتي تدور بين الأفراد في جلساتهم، المرآة الحقيقيّة الّتي تعكس طبيعة العلاقات الاجتماعية وتماسكها. فمن تلك الجلسات في الماضي بعفويتها وخصوصيّتها إلى عالم جلسات اليوم المحكومة بالتّكنولوجيا والمظاهر، تأرجحت الأحوال وتهلهل النّسيج وحدثت تلك الفجوة الّتي غيّرت شكل الرّوابط الإنسانيّة، لتحوّلها من علاقات قائمة على العمق والتّرابط إلى علاقات تسير في منحى السّطحيّة و العزلة الرّقمية، وصدق من قال أمام زخم هذه الأهوال : أصبحنا لا نعرف عن بعضنا سوى أنّنا على قيد الحياة.

اتساع الأحاديث وتراجع الحكمة

توسّعت رقعة الأحاديث المتداولة في مختلف الأماكن ومن شتّى الأعمار لغوا كثيرا أوشرودا ومحتوى بعيدا عن الجدّية، وبالمقابل لم يعد الصّمت من ذهب لأن الحكمة سرقها هرمون الدوبامين، هرمون السّعادة وهو يضخّ الخمول في حضرة أنامل وهي تلهو بلمسات حاسوب أو هاتف، بأجساد متقاربة وأرواح تعيش الشّتات في مختلف البقاع تشرب عدّة سوائل لاتدري ماتُحدثه فيها من نوازل.

دفء المجالس وخصوصية العلاقات في الماضي

الكلام مقام يزيّن الأيام وقد كانت جلسات أصحابه بالأمس حكايات دافئة تحميها الخصوصية، كانت بمثابة ملاذ آمن، يحضُر فيه الحديث المتداول بين أفراد الأسرة أو الأصدقاء وقد أحاطتهم العفويّة والبساطة، حيث يتقاسم الحاضرون تفاصيل حياتهم، همومهم، وأفراحهم دون خوف من إطلاق أحكام أو تسريب أسرار، وأثناء الحديث تتقابل الأجساد وتتقاطع النظرات، وترتسم التباشير في الوجوه ولغة الجسد عنوان مكتوب على صفحات كلّ لقاء. وإذا تحدّثنا عن المَجالس فإنّنا نحكي طويلا عن ألق المُجالس، المُجالس الّذي جعل من الأمان الاجتماعي قيمة غالية، واحتفظ بكلّ ما يُقال في المجلس بأعماقه لا يكرّره أو يجعله فاكهة ألسن في مجالس أخرى، ولعلّ هذا ما عزّز الثّقة المتبادلة وجعل العلاقات متينة وقادرة على الصّمود أمام الأزمات.

اختلاف الأجيال بين الكلمة الطيبة وثرثرة المجالس

إذا أجرينا مسحا على الواقع وقمنا بمقارنة بسيطة بين جيلين، وغصنا في مجالس اليوم وتعرّفنا على روّادها لاكتشفنا بونا واسعا ، امام ثرثرة مهلكة وصمت مخيف ولسان سليط عابث لدى أغلب الأفراد، ولأدركنا رقيّ ذلك الرّكب الذهبي، فرغم بعض الهفوات الّتي لا يخلو زمن منها إلّا أنّهم عاشوا التّكافل اللّفظي، فكانت الجُملُ عندهم تُنتقى لجبر الخواطر والدّعم النّفسي، وكانت الكلمة الهادفة والطّيّبة عُملة سائدة.

انشغال الأطفال وتراجع انتقاء الكلام

الاشتغال بسفاسف الأمور وتوسّع الاهتمامات وكثرة القدوات وانتشار كمّ هائل من المحتويات في ظل غياب التّنشئة والمرافقة والبدائل دفع بالأطفال إلى الجري وراء كلّ شيء فضيّعوا معظم الأشياء، وأوّلها انتقاء الكلام والابتعاد عن الفحش والسّخرية والنّميمة وهدر الوقت الطّويل أمام أجهزة لم يحسنوا إدارتها فجعلتهم رِقّا في فوهة كلّ سيل.

التكنولوجيا وتشتّت الحضور الإنساني

لقد بدّلت التّكنولوجيا وجه الحوار، فبينما يجلس الأفراد في مكان واحد، تجد أجسادهم متقاربة ولكن عقولهم مشتّتة بين إشعارات الهواتف ومنصات التّواصل الاجتماعي.

استعراض المظاهر على حساب عيش اللحظة

تحوّل جزء كبير من حديث الجلسات اليوم إلى استعراض للإنجازات، المشتريات، أو السفر. أصبح الحوار يتمحور حول “الصّورة” الّتي يجب أن تظهر على “إنستغرام” أو “سناب شات”، بدلاً من عيش اللّحظة الحقيقيّة.

المقارنات الاجتماعية وتراجع الأمان في المجالس

كما تسلّل “القيل والقال” القائم على المقارنات الماديّة والاجتماعيّة إلى المجالس، مما خلق نوعاً من التّنافس الصّامت والشّعور بالدّونية أو الحسد بين الأصدقاء أو الأقارب.

ونشير أيضا إلى أنّه أصبح من السّهل جداً توثيق تفاصيل الجلسة بنشر مقطع فيديو أو نقل “لقطة” عفويّة قد تُفسَّر خارج سياقها، مما أعدم الأمان اللّفظي الّذي كان يميّز جلسات الماضي.

السطحية وأزمة الثقة في العلاقات الإنسانية

هذا التّحول في طبيعة الكلام المتداول انعكس بشكل مباشر على عمق الرّوابط الإنسانية وتجلّياتها، تداخلت الأمور وطفت السّطحيّة في العلاقات

ليتحوّل الكثير منها إلى “علاقات مصلحة” أو زمالة عابرة، تغيب عنها المساندة الحقيقيّة في أوقات الشّدّة.

كما أنّ الخوف المستمرّ من نقل الكلام أو تصويره عمّق من أزمة الثّقة، وصار الأفراد يرتدون “أقنعة” في جلساتهم، ويفضّلون الصّمت أو الحديث في العموميّات تجنّباً للمشاكل.

بناء جيل مترابط يجمع بين الأصالة والتجديد

التّاسيس لجيل مترابط يعطي لكلّ مقام مقال ويساهم بإيجابية، يحسن إدارة الوقت وله من الذكاءات المتعدّدة يتطلّب من الجميع نظرة استشراف واعية قبل حلول غربة موحشة لا يعرف فيها الفرد نفسه، فالوطن بحاجة إلى تماسك واجتماع وحضور فعليّ، يجتمع فيه ابناؤه لتحقيق الأهداف السّامية بكلمات طيّبة وأجساد قويّة وعقول واعية متفتّحة، بروح الأوائل ودررهم مطبقين المثل ” الجديد حبّو والقديم لا تفرّط فيه ”

استعادة هيبة المجالس والإنصات الواعي

إنّ إدراكنا للفارق بين الأمس واليوم لا يعني البكاء على الأطلال، بل يدعونا إلى خلق موازنة صحّيّة، كما أنّ حماية علاقاتنا تتطلّب منّا اليوم إعادة الهيبة للمجالس؛ من خلال إعادة إحياء ثقافة “الإنصات الواعي” والابتعاد عن الهواتف في اللّمات والاجتماعات، وجعل الكلمة أداة للبناء والتّقارب لا للاستعراض والنّقد.

الكلمة الطيبة زاد الروابط الإنسانية

العلاقات الإنسانية لا تتغذّى على الوجود الجغرافي فحسب، بل على عمق الكلمة وصدق المشاعر المتداولة التي ترتسم في الحركات والنظرات وعلى الوجوه بسمات يترجمها اللسان وقارا وخفضا للأصوات وكلاما طيبا يبقى خير زاد للآتين، حتّى نجعل من يراهم يدعو لمن ربّاهم.

 

للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا 

للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا 

للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا 

للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا 

للمزيد من فيديوهات media maghreb  بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا 

للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا 

Share this content:

إرسال التعليق