الإشادة الأممية

إشادة أممية واسعة بالجزائر.. ماذا وراء تقدير سافينا أمّاساري لمسار الدولة الجزائرية؟

في توقيت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية على دول المنطقة، وتصبح فيه قدرة الدول على الجمع بين الاستقرار الاجتماعي والإصلاح الاقتصادي والحضور الدبلوماسي أكثر أهمية من أي وقت مضى، جاءت الإشادة الأممية الأخيرة بالجزائر لتتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية التقليدية، وتفتح الباب أمام قراءة أوسع لمسار دولة تحاول إعادة صياغة موقعها الاقتصادي والاجتماعي والإقليمي في آن واحد. فقد سلطت سافينا كلوديا أمّاساري، المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في الجزائر، الضوء على ما وصفته بالتقدم الذي أحرزته الجزائر في عدد من المجالات، وفي مقدمتها التعليم والصحة والحماية الاجتماعية وتمكين الشباب والمرأة والتنويع الاقتصادي والاستدامة البيئية.

ولا تبدو أهمية هذه الإشادة في مضمونها وحده، وإنما في توقيتها أيضاً. فالجزائر تدخل مرحلة تتقاطع فيها مجموعة من التحولات الداخلية مع متغيرات إقليمية ودولية شديدة الحساسية، من إعادة ترتيب العلاقات الاقتصادية في أفريقيا، إلى التحولات في أسواق الطاقة، مروراً بتحديات الأمن الغذائي والمياه والمناخ والتحول الرقمي. وفي هذا السياق، فإن التقييم الأممي لمسار الجزائر يعكس، في جانب منه، رؤية ترى أن البلاد لا تعتمد فقط على مواردها الطبيعية، وإنما تحاول توظيف إمكاناتها البشرية ومؤسساتها وبرامجها الاجتماعية في بناء نموذج تنموي أكثر تنوعاً.

وتكتسب تصريحات أمّاساري وزناً إضافياً بالنظر إلى خلفيتها المهنية. فقد عيّنها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش منسقة مقيمة للأمم المتحدة في الجزائر في مايو 2025، بعد موافقة الحكومة الجزائرية، وهي صاحبة خبرة تقارب ثلاثة عقود في مجال التنمية الدولية، عملت خلالها في أكثر من 25 دولة في أفريقيا جنوب الصحراء وآسيا، كما شغلت مواقع قيادية في عدد من مؤسسات منظومة الأمم المتحدة، من بينها اليونيسف وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمنظمة الدولية للهجرة ومنظمة العمل الدولية، فضلاً عن خبرة مع البنك الدولي ومنظمات ومؤسسات أخرى. وبالتالي فإن تقييمها لا يأتي من موقع دبلوماسي بروتوكولي فقط، بل من مسار مهني طويل في ملفات التنمية والصحة والتعليم والهجرة والحوكمة وتمكين المرأة وحقوق الإنسان.

ومن هنا يمكن فهم أحد أهم أبعاد الإشادة الأخيرة: الأمم المتحدة لا تنظر إلى الجزائر باعتبارها دولة نفط وغاز فحسب، وإنما باعتبارها دولة لديها منظومة واسعة من السياسات الاجتماعية والخدمات العامة، وتحاول في الوقت ذاته الانتقال تدريجياً نحو اقتصاد أكثر تنوعاً. وهذه النقطة تحديداً تتكرر في الخطاب الأممي حول الجزائر خلال الفترة الأخيرة، حيث يبرز التنويع الاقتصادي وتنمية رأس المال البشري والتحول الرقمي والحماية الاجتماعية والانتقال البيئي باعتبارها ملفات مترابطة وليست مسارات منفصلة.

التعليم والصحة.. الاستثمار في الإنسان قبل الأرقام

في ملف التعليم، تحمل الإشادة الأممية دلالة مهمة، لأن التعليم يمثل أحد المؤشرات التي تقاس من خلالها قدرة الدولة على بناء رأس مال بشري قادر على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية. وقد أشارت أمّاساري إلى التقدم الذي أحرزته الجزائر في التعليم باعتباره جزءاً من منظومة أوسع تشمل الخدمات العامة والحماية الاجتماعية، وهو ما يضع السياسة الاجتماعية الجزائرية في إطار مختلف عن مجرد الإنفاق الحكومي، لتصبح أداة لبناء قدرات بشرية طويلة الأمد.

وفي مراجعتها الوطنية الثانية للتقدم في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، التي عرضتها الجزائر خلال المنتدى السياسي رفيع المستوى للأمم المتحدة في 2026، جرى تسليط الضوء على ملفات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والإسكان والبنية التحتية وتمكين المرأة وريادة الأعمال لدى الشباب والتنويع الاقتصادي والتشغيل والاستدامة البيئية. كما ركزت المراجعة على مبدأ عدم ترك المناطق والفئات الأكثر هشاشة خلف مسار التنمية.

وفي قطاع الصحة، يتضح أن التعاون مع منظومة الأمم المتحدة يتجه بصورة متزايدة نحو الانتقال من معالجة المشكلات الصحية بعد حدوثها إلى بناء سياسات وقائية أكثر شمولاً. ويظهر ذلك في العمل على تطوير استراتيجية متعددة القطاعات للوقاية من الأمراض غير السارية ومكافحتها، بما يشمل أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان والسكري وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة، مع التأكيد على أن تحسين النتائج الصحية لا يعتمد على المستشفيات وحدها، وإنما يرتبط بالتعليم والغذاء والتخطيط العمراني والبيئة والعمل والحماية الاجتماعية.

وهنا تظهر إحدى النقاط التي تستحق التوقف عندها: الإشادة الأممية بالجزائر لا تعني أن الصورة خالية من التحديات، وإنما تعني أن هناك مساراً يمكن قياسه وتطويره. فالسياسات العامة تصبح أكثر أهمية عندما تتحول إلى نتائج محسوسة بالنسبة للمواطن، سواء في الحصول على التعليم أو الرعاية الصحية أو السكن أو الخدمات الأساسية. وفي المقابل، فإن استمرار هذا النموذج يتطلب قدرة مالية واقتصادية على تمويل الإنفاق الاجتماعي دون أن يصبح رهينة لتقلبات أسعار النفط والغاز.

الجزائر أمام اختبار التنويع الاقتصادي

الاقتصاد يمثل في الواقع قلب المعادلة كلها. فالجزائر تمتلك موقعاً استراتيجياً وثروات طاقوية ضخمة، لكن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل هذه المزايا إلى قاعدة إنتاج أكثر تنوعاً وأقل تعرضاً للصدمات الخارجية. ولهذا تضع السلطات الجزائرية قطاعات الزراعة والصناعة والتعدين والبنية التحتية والطاقة المتجددة والصناعات الدوائية ضمن مسارات التنويع الاقتصادي.

وقد انعكس ذلك على موازنة 2026، التي تضمنت إنفاقاً قياسياً يتجاوز 135 مليار دولار، مع استهداف خفض عجز الموازنة بنحو 35.5% إلى حوالي 40 مليار دولار، بالتوازي مع توقع نمو قطاعات غير هيدروكربونية مثل الزراعة والصناعة والبناء. وتعكس هذه الأرقام محاولة للموازنة بين استمرار الإنفاق الاجتماعي والاستثماري وبين الحاجة إلى تقليص الاختلالات المالية.

وفي الوقت ذاته، لا تسير الجزائر في اتجاه التخلي عن الطاقة التقليدية، وهو أمر منطقي بالنظر إلى وزن النفط والغاز في الاقتصاد والصادرات والإيرادات العامة. لكنها تحاول الجمع بين الحفاظ على موقعها كمورد رئيسي للطاقة وبين تطوير مسارات جديدة تشمل الطاقات المتجددة والهيدروجين والصناعات التحويلية. وقد أعلنت الجزائر عن خطط لاستثمارات طاقوية بقيمة 60 مليار دولار بين 2025 و2029، مع تخصيص الجزء الأكبر للاستكشاف والإنتاج، بالتوازي مع مشروعات للطاقة المتجددة بقدرات تصل إلى 3200 ميغاواط.

وفي أبريل 2026، أطلقت الجزائر جولة جديدة للتنقيب عن النفط والغاز شملت سبع مناطق، في محاولة لجذب استثمارات دولية وتعزيز الإنتاج. وهذا التطور يؤكد أن استراتيجية الجزائر ليست قائمة على استبدال الطاقة التقليدية بالطاقة النظيفة بصورة فورية، وإنما على إدارة انتقال تدريجي يستفيد من الموارد الحالية لتمويل التحول الاقتصادي والطاقوي المستقبلي.

الشباب.. الملف الذي يحدد مستقبل التجربة الجزائرية

لكن أي قراءة جادة للتحول الجزائري لن تكتمل من دون التوقف عند الشباب. فالجزائر دولة شابة نسبياً، وبالتالي فإن خلق فرص العمل وتحويل التعليم والتدريب إلى وظائف ومنتجات وشركات يمثل تحدياً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً في الوقت نفسه.

وفي هذا السياق، كشفت الأمم المتحدة عن إنشاء لجنة شبابية متعددة القطاعات تضم 24 وزارة وهيئة استشارية، بهدف تعزيز الحوار بين الشباب والمؤسسات العامة، في إطار تنفيذ الخطة الوطنية للشباب 2025–2029. كما استفاد أكثر من 7300 شاب من فرص عمل بدعم أممي خلال 2025، في حين حصل أكثر من 250 شاباً على تدريبات في المهارات الحياتية والتوظيف.

وهذا المسار يرتبط بصورة مباشرة بملف ريادة الأعمال. فالاقتصاد الذي يريد تقليل اعتماده على المحروقات يحتاج إلى شركات جديدة، ومؤسسات صغيرة ومتوسطة، وشباب قادر على دخول مجالات التكنولوجيا والخدمات والصناعة والزراعة الحديثة. ولذلك فإن دعم ريادة الأعمال لا يمثل مجرد سياسة اجتماعية، وإنما أصبح جزءاً من استراتيجية التنويع الاقتصادي نفسها.

وقد برز هذا التوجه في الفعاليات الاقتصادية التي استضافتها الجزائر، ومنها المؤتمر الوطني للشركات الناشئة، إضافة إلى انضمام البلاد إلى شبكة WorldSkills الدولية، بما يفتح المجال أمام تطوير التدريب المهني وربطه باحتياجات الصناعات والأسواق الجديدة.

المرأة.. من الحضور الاجتماعي إلى التأثير الاقتصادي والمؤسسي

ملف المرأة يمثل بدوره محوراً مهماً في التقييم الأممي. فالتنمية الحديثة لم تعد تقيس فقط معدلات التعليم والصحة، وإنما تنظر أيضاً إلى قدرة النساء على المشاركة في الاقتصاد ومواقع صنع القرار والمؤسسات العامة.

وفي الجزائر، دعمت الأمم المتحدة خلال 2025 مبادرات تستهدف تعزيز المشاركة الاقتصادية للنساء. وشملت إحدى المبادرات الزراعية والاقتصادية تدريب مشاركين كان 80% منهم من النساء، بينما استفادت 260 حرفية من برامج تهدف إلى تطوير وتسويق منتجاتهن. كما شاركت أكثر من 195 قاضية جزائرية، بين متدربات ورئيسات محاكم، في برامج للتوجيه والتدريب القيادي بدعم أممي.

والأهمية هنا تتجاوز الأرقام. فتمكين المرأة اقتصادياً ومؤسسياً يعني توسيع قاعدة الإنتاج واتخاذ القرار في المجتمع، كما يعني أن الاستثمار في التعليم لا ينتهي عند الحصول على شهادة، وإنما يمكن أن يتحول إلى نفوذ اقتصادي ومهني ومؤسسي. ولذلك أصبح هذا الملف جزءاً من النقاش حول مستقبل الاقتصاد الجزائري وليس مجرد قضية اجتماعية منفصلة.

18-3 إشادة أممية واسعة بالجزائر.. ماذا وراء تقدير سافينا أمّاساري لمسار الدولة الجزائرية؟

البعد الأفريقي.. الجزائر تريد أن تتحول من سوق إلى منصة

أحد أكثر التطورات إثارة للاهتمام في المسار الجزائري هو محاولة تحويل موقع البلاد الجغرافي إلى ميزة اقتصادية. فالجزائر تقع عند تقاطع أفريقيا وأوروبا والبحر المتوسط، وتمتلك حدوداً واسعة مع منطقة الساحل، ما يجعلها مؤهلة للعب دور أكبر في التجارة والطاقة والخدمات واللوجستيات.

وقد شكل تنظيم المعرض التجاري الأفريقي داخل الجزائر محطة مهمة في هذا الاتجاه، إذ سعت البلاد إلى استخدام الحدث لتعزيز التجارة البينية ودعم الشركات الناشئة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وربط الابتكار المحلي بالأسواق الأفريقية. وفي سياق موازٍ، استضافت الجزائر مؤتمراً كبيراً حول الإنتاج الدوائي الأفريقي والتكنولوجيات الصحية، انتهى إلى إعلان الجزائر الذي تبنته أكثر من 25 دولة، مع اتفاق لتصدير منتجات دوائية جزائرية إلى عدد من الدول الأفريقية بقيمة تقارب 10 ملايين دولار.

وتكشف هذه التحركات عن تحول تدريجي في النظرة إلى أفريقيا. فالجزائر لا تريد أن تكون مجرد مصدر للطاقة إلى أوروبا، وإنما تسعى أيضاً إلى توسيع تجارتها جنوباً نحو القارة الأفريقية، مستفيدة من اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية ومن الطلب المتزايد على الدواء والغذاء والطاقة والخدمات.

وهذا البعد مهم اقتصادياً، لكنه سياسي أيضاً. فالحضور الاقتصادي في أفريقيا يمنح الجزائر أدوات إضافية لتعزيز نفوذها الدبلوماسي، خصوصاً في منطقة الساحل التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى أكثر مناطق القارة اضطراباً، مع تراجع النفوذ التقليدي لبعض القوى الأوروبية وصعود أدوار جديدة لقوى دولية وإقليمية.

الدبلوماسية الجزائرية.. عنصر آخر في الإشادة الأممية

ولا يمكن فصل التقدير الأممي لمسار الجزائر التنموي عن صورتها السياسية والدبلوماسية. فقد أكدت أمّاساري في مناسبات مختلفة أن هناك تقارباً في القيم المتعلقة بالتعددية والتعاون الدولي والسلام والتضامن، كما أشادت بالدور التاريخي للجزائر داخل منظومة الأمم المتحدة.

ويعود هذا التقارب إلى تاريخ طويل بدأ بانضمام الجزائر إلى الأمم المتحدة في 8 أكتوبر 1962، بعد فترة قصيرة من الاستقلال، ومنذ ذلك الحين ارتبطت الدبلوماسية الجزائرية بقضايا تقرير المصير وعدم الانحياز والتسوية السلمية للنزاعات ودعم التعاون متعدد الأطراف.

وفي أكتوبر 2025، خلال مناسبة مرتبطة بيوم الدبلوماسية الجزائرية والذكرى الثمانين لتأسيس الأمم المتحدة، أكدت أمّاساري وجود تقارب عميق بين قيم المنظمة الدولية والمبادئ التي تقول الجزائر إنها تتبناها في سياستها الخارجية، مشيرة إلى ملفات السلام والتضامن والتعاون متعدد الأطراف.

غير أن أهمية هذا الدور الدبلوماسي لا تعني غياب التعقيدات. فالجزائر تتحرك في بيئة إقليمية شديدة الحساسية، من أزمة الساحل إلى قضية الصحراء الغربية والتوترات المتعددة في شمال أفريقيا، ولذلك فإن الحفاظ على صورة الدولة الداعمة للتعددية والتسويات السلمية يضع الدبلوماسية الجزائرية أمام اختبار مستمر بين المبادئ والمصالح والتوازنات الإقليمية.

الصحراء الغربية والبعد الإنساني

ومن الملفات التي تظهر فيها الشراكة بين الجزائر والأمم المتحدة بصورة مباشرة ملف اللاجئين الصحراويين الموجودين في مخيمات تندوف. فقد أطلقت الأمم المتحدة خطة الاستجابة للاجئين الصحراويين للفترة 2026–2027، التي تطلب تمويلاً قدره 177 مليون دولار على مدى عامين، لتغطية قطاعات تشمل الغذاء والصحة والتعليم والمياه والطاقة والحماية وسبل العيش وتعزيز القدرة على الصمود.

وتكتسب الإشارة إلى هذا الملف أهمية خاصة لأن الجزائر تستضيف مخيمات اللاجئين منذ عقود، فيما تظل قضية الصحراء الغربية واحدة من أكثر ملفات المنطقة تعقيداً واستمراراً. ومن المنظور الإنساني، تؤكد الأمم المتحدة أن الدعم المقدم للاجئين لا يرتبط فقط بالمساعدات الطارئة، وإنما يتجه بصورة متزايدة نحو بناء القدرة على الصمود وتحسين التعليم والصحة والمياه وفرص الشباب والنساء.

المناخ والتحول الرقمي.. الملفات القادمة

وراء الإشادة الحالية توجد ملفات أخرى ستحدد ما إذا كان التحول الجزائري سيصبح مستداماً بالفعل. فالاقتصاد الجزائري، رغم تقدمه في قطاعات متعددة، لا يزال أمامه تحدي تقليل الاعتماد على المحروقات، بينما تفرض ندرة المياه وتغير المناخ وارتفاع الطلب على الطاقة تحديات متزايدة.

ولهذا تربط الأمم المتحدة بين التنويع الاقتصادي والتحول البيئي والتحول الرقمي. فالرقمنة يمكن أن تساعد في تحسين الخدمات الحكومية وتقليل البيروقراطية ورفع كفاءة الإدارة، كما يمكن أن تفتح فرصاً أمام الشركات الناشئة والشباب، بينما يمكن للطاقة المتجددة أن تدعم أمن الطاقة وتقلل تدريجياً من كثافة الاقتصاد الكربونية.

وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى التحول الرقمي باعتباره ملفاً تقنياً فقط. بالنسبة لبلد بحجم الجزائر، فإن رقمنة الإدارة والخدمات العامة يمكن أن تؤثر في علاقة المواطن بالدولة، وفي سرعة الحصول على الخدمات، وفي بيئة الاستثمار، وفي قدرة المؤسسات على إنتاج بيانات دقيقة تساعد على اتخاذ القرار.

ماذا تعني الإشادة الأممية سياسياً؟

من الناحية السياسية، تبدو الرسالة الأهم في موقف أمّاساري أن الجزائر باتت تُقدَّم داخل منظومة الأمم المتحدة كشريك في التنمية وليس فقط كدولة تتلقى دعماً فنياً. وهذا فارق مهم؛ فالشراكة التنموية الحديثة تقوم على تبادل الخبرات والمعرفة، وعلى امتلاك الدولة لقرارها التنموي مع الاستفادة من الخبرات الدولية.

وقد شددت أمّاساري نفسها على أن التعاون بين الأمم المتحدة والجزائر يقوم على الملكية الوطنية، أي أن المؤسسات الجزائرية هي التي تقود أجندة الإصلاح والتنمية، بينما تعمل منظومة الأمم المتحدة على دعم القدرات وتنسيق الخبرات وتحويل التعاون الدولي إلى نتائج عملية.

وهذا الطرح يتوافق أيضاً مع طبيعة إطار التعاون بين الجزائر ومنظومة الأمم المتحدة للفترة 2023–2027، الذي يركز على دعم الأولويات الوطنية في مجالات التنويع الاقتصادي وتنمية رأس المال البشري والحوكمة والتحول الرقمي والانتقال البيئي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

الإشادة ليست شيكاً على بياض

لكن القراءة المهنية تقتضي عدم التعامل مع الإشادة الأممية باعتبارها شهادة نهائية على نجاح التجربة الجزائرية. فحتى الوثائق الأممية نفسها تتحدث عن تحديات لا تزال قائمة، وفي مقدمتها الحاجة إلى تسريع التنويع الاقتصادي، وخلق فرص أكبر للشباب، وتعزيز المشاركة الاقتصادية للمرأة، وتحسين القدرة على مواجهة تغير المناخ، ودعم التحول الرقمي.

كما أن استمرار الاعتماد على المحروقات يظل من أهم التحديات الهيكلية. صحيح أن الجزائر تعمل على تطوير الزراعة والصناعة والتعدين والدواء والطاقة المتجددة، لكن وزن قطاع الطاقة في الاقتصاد يظل كبيراً، ما يجعل نجاح التنويع الاقتصادي مرتبطاً بقدرة البلاد على تحويل الاستثمارات الحكومية إلى نشاط إنتاجي مستدام يقوده القطاع الخاص أيضاً.

ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن يكون في عدد البرامج والمشروعات التي يتم إطلاقها، وإنما في قدرتها على إنتاج وظائف مستدامة، وزيادة الصادرات غير النفطية، وجذب الاستثمار، وتحسين الإنتاجية، وتطوير التعليم المهني والتقني، ورفع مساهمة الشباب والنساء في الاقتصاد، مع المحافظة على شبكة الحماية الاجتماعية.

الجزائر أمام فرصة تاريخية

في المحصلة، تكشف الإشادة التي حظيت بها الجزائر من المنسقة المقيمة للأمم المتحدة عن صورة أكثر تعقيداً من مجرد إشادة دبلوماسية عابرة. هناك بالفعل مجموعة من المؤشرات التي تعكس تحولاً في طريقة إدارة ملفات التنمية، من توسيع المشاركة الاقتصادية للنساء والشباب، إلى تطوير الخدمات العامة، مروراً بمحاولة تنويع الاقتصاد وتوسيع الحضور التجاري في أفريقيا، وصولاً إلى التحول الرقمي والطاقة المتجددة.

والأهم أن هذه التحولات تأتي في لحظة دولية تسمح للجزائر بأن تستثمر بصورة أكبر في موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية وبنيتها التحتية وعلاقاتها الأفريقية والمتوسطية. فالطلب الأوروبي على الطاقة، وحاجة أفريقيا إلى الغذاء والدواء والبنية التحتية، والتوسع في التجارة القارية، كلها تخلق فرصاً يمكن للجزائر أن تستفيد منها إذا تمكنت من الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على تصدير المواد الأولية إلى اقتصاد ينتج ويصدر سلعاً وخدمات ذات قيمة مضافة أعلى.

وقد أظهرت التطورات الأخيرة في قطاع الطاقة أن الجزائر تسعى بالفعل إلى تعزيز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة، بينما يكشف التوسع في إنتاج الدواء والتجارة الأفريقية عن رغبة في بناء أدوار اقتصادية جديدة تتجاوز النفط والغاز.

وفي النهاية، فإن أهم ما في الإشادة الأممية بالجزائر ربما لا يكمن في العبارات الاحتفالية ذاتها، وإنما في الاعتراف بوجود تجربة تنموية تحاول الجمع بين الاستثمار العام والحماية الاجتماعية والانفتاح الاقتصادي والتعاون الدولي. نجاح هذه التجربة في المرحلة المقبلة سيعتمد على مدى قدرتها على تحويل الموارد المالية إلى إنتاج، والتعليم إلى مهارات، والرقمنة إلى كفاءة، والشباب إلى قوة اقتصادية، والمرأة إلى شريك كامل في سوق العمل، والطاقة إلى رافعة للتنويع بدلاً من أن تبقى وحدها عماد الاقتصاد.

وهنا تحديداً تتضح قيمة الشراكة التي تتحدث عنها الأمم المتحدة: الجزائر لا تحتاج إلى نموذج جاهز يأتيها من الخارج، كما أن المؤسسات الدولية لا تستطيع فرض مسار تنموي قابل للحياة من دون مؤسسات وطنية قوية. المعادلة الأكثر واقعية هي أن تستفيد الجزائر من خبرتها ومواردها وموقعها، وتستخدم التعاون الدولي لتعزيز قدرتها على تحقيق أهدافها، فيما تتحول النتائج الملموسة على الأرض إلى المعيار الحقيقي للحكم على التجربة.

وبهذا المعنى، فإن إشادة سافينا كلوديا أمّاساري ليست نهاية القصة، بل ربما تكون عنواناً لمرحلة أكثر صعوبة: مرحلة الانتقال من تسجيل التقدم إلى تسريع التحول، ومن امتلاك الإمكانات إلى تحويلها إلى اقتصاد أكثر تنوعاً ومجتمع أكثر شمولاً ودولة أكثر قدرة على المنافسة في محيط إقليمي ودولي سريع التغير.

 

 

 

للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا 

للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا 

للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا 

للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا 

للمزيد من فيديوهات media maghreb  بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا 

للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا 

Share this content:

إرسال التعليق