أسعار النفط

النفط يقترب من حاجز 95 دولارًا.. التوترات الجيوسياسية تعيد «علاوة المخاطر» إلى أسواق الطاقة

عاد النفط إلى واجهة المشهد الاقتصادي العالمي بقوة، مع اقتراب أسعار الخام من مستوى 95 دولارًا للبرميل، في تحرك يعكس عودة العامل الجيوسياسي إلى صدارة المؤثرات في سوق الطاقة، بعد فترة بدا فيها أن قوى العرض والطلب والمخزونات ومستويات الإنتاج هي صاحبة التأثير الأكبر في اتجاهات الأسعار.

ويظهر الانفوجراف المرفق أن خام برنت سجل 94.65 دولارًا للبرميل، بارتفاع نسبته 4.6%، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط WTI إلى 90.22 دولارًا للبرميل، بزيادة بلغت 5.2%، في إشارة إلى موجة صعود قوية ارتبطت بصورة أساسية بتصاعد المخاوف بشأن الإمدادات وحركة الشحن في منطقة الشرق الأوسط.

ولا تبدو أهمية هذه المستويات السعرية في الرقم نفسه فقط، وإنما في السرعة التي تحركت بها السوق، وفي طبيعة المحركات التي تقف خلف الصعود. فالأسواق النفطية لا تتعامل مع الأزمات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا سياسية منفصلة عن الاقتصاد، وإنما تترجمها فورًا إلى تقديرات جديدة بشأن أمن الإمدادات وتكلفة النقل واحتمالات تعطل الإنتاج أو التصدير، وهو ما ينعكس مباشرة على الأسعار.

الجغرافيا السياسية تعود إلى صدارة المشهد

العامل الأكثر وضوحًا في موجة الصعود التي يرصدها الانفوجراف هو تصاعد التوترات المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وهي معادلة شديدة الحساسية بالنسبة إلى سوق الطاقة العالمي، ليس فقط بسبب حجم الإنتاج النفطي لدول المنطقة، وإنما أيضًا بسبب الموقع الجغرافي للممرات البحرية التي تمر عبرها كميات ضخمة من النفط والمنتجات البترولية.

وفي مثل هذه الظروف، لا تحتاج السوق بالضرورة إلى حدوث توقف فعلي وكبير في الإمدادات حتى ترتفع الأسعار. يكفي أن ترتفع احتمالات وقوع اضطراب في الإمدادات أو حركة الناقلات حتى تبدأ شركات الطاقة والتجار والمضاربون في إعادة تسعير المخاطر.

وهنا تظهر أهمية ما يعرف في الأسواق باسم «علاوة المخاطر»، وهي الزيادة التي يضيفها المتعاملون إلى السعر تحسبًا لاحتمالات حدوث تطورات سلبية مستقبلية. وكلما ارتفع منسوب القلق بشأن أمن الإمدادات، اتسعت هذه العلاوة، حتى لو ظلت كميات النفط الفعلية المتاحة في السوق مستقرة في الوقت الراهن.

وهذا تحديدًا ما يفسر جانبًا مهمًا من القفزة السعرية التي يرصدها الانفوجراف؛ فالسوق لا تسعر الحاضر فقط، وإنما تسعر كذلك ما قد يحدث خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

مضيق هرمز.. نقطة الاختبار الأخطر

في قلب هذه المعادلة يأتي مضيق هرمز، الذي يظل أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في منظومة الطاقة العالمية. ولذلك فإن أي تهديد لحركة الملاحة أو ارتفاع مستوى المخاطر الأمنية حوله يفرض نفسه سريعًا على أسعار النفط.

ويشير الانفوجراف إلى استمرار المخاطر المرتبطة بالممر الملاحي الاستراتيجي، مع ارتفاع حساسية الأسواق لأي تطورات عسكرية أو اضطرابات يمكن أن تؤثر في حركة ناقلات النفط.

وتكمن خطورة الأمر في أن الأسواق قد تتحرك قبل وقوع الأزمة الفعلية. فإذا اعتقد المتعاملون أن هناك احتمالًا متزايدًا لتعطل حركة الناقلات، فإن شركات التكرير والمشترين قد يسعون إلى تأمين احتياجاتهم مقدمًا، بينما يرفع المستثمرون تقديرات المخاطر، فتزداد الأسعار.

وبعبارة أخرى، فإن الخوف من نقص النفط يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع سعر النفط قبل حدوث النقص نفسه.

وهذه واحدة من أكثر خصائص سوق الطاقة تعقيدًا؛ إذ إن الأسعار لا تتحرك فقط وفقًا للبراميل الموجودة فعليًا، وإنما وفقًا للتوقعات بشأن البراميل التي قد تصل أو لا تصل إلى الأسواق.

من النفط إلى تكلفة الشحن والتأمين

التوترات الجيوسياسية لا تؤثر فقط على سعر الخام مباشرة، وإنما تمتد آثارها إلى سلسلة النقل بأكملها. فعندما ترتفع المخاطر الأمنية في الممرات البحرية، ترتفع تكلفة التأمين على السفن، وقد تطول مسارات بعض الناقلات إذا اضطرت إلى تجنب مناطق بعينها، كما يمكن أن ترتفع تكاليف الشحن والتمويل.

وفي النهاية، تنتقل هذه التكلفة إلى السعر النهائي للنفط.

ولهذا فإن أي اضطراب في حركة الشحن لا يعني بالضرورة اختفاء ملايين البراميل من السوق، لكنه قد يجعل نقل البرميل من المنتج إلى المستهلك أكثر تكلفة وأكثر مخاطرة، وهي تكلفة تنعكس بدورها على التسعير العالمي.

كما أن شركات الطاقة والمصافي تميل في أوقات الأزمات إلى بناء هوامش أمان أكبر، سواء عبر المخزونات أو العقود المستقبلية، ما قد يزيد الطلب الاستثماري والمضاربي على النفط، ويمنح الأسعار دفعة إضافية.

انفوجراف-النفط النفط يقترب من حاجز 95 دولارًا.. التوترات الجيوسياسية تعيد «علاوة المخاطر» إلى أسواق الطاقة

لماذا يقترب برنت من 95 دولارًا؟

الوصول إلى منطقة 95 دولارًا للبرميل يحمل دلالة نفسية واقتصادية مهمة. فالمستويات السعرية الكبيرة تتحول عادة إلى نقاط مراقبة رئيسية للمستثمرين وصناع القرار، وقد يؤدي الاقتراب منها إلى زيادة عمليات التحوط وإعادة تقييم توقعات التضخم والنمو.

والانفوجراف يوضح أن برنت سجل أعلى إغلاق له منذ 24 يوليو، بينما سجل خام غرب تكساس الوسيط أعلى إغلاق له منذ 23 يوليو، وهو ما يعكس قوة الحركة السعرية مقارنة بالمستويات السابقة.

لكن السؤال الأهم ليس فقط: هل يستطيع النفط الوصول إلى 95 دولارًا؟ وإنما: هل يستطيع الاستقرار فوق هذا المستوى؟

فالارتفاع الناتج عن صدمة جيوسياسية قد يكون سريعًا وقويًا، لكنه يظل معرضًا للتراجع إذا هدأت التوترات أو تراجعت المخاوف بشأن الإمدادات. أما إذا تحولت الأزمة إلى اضطراب فعلي وطويل الأمد في الإنتاج أو النقل، فإن السوق قد تدخل مرحلة مختلفة تمامًا، يكون فيها السعر مدفوعًا بعجز حقيقي في المعروض وليس بمجرد علاوة مخاطر.

ماذا يعني ذلك للاقتصاد العالمي؟

ارتفاع النفط ليس خبرًا جيدًا بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي إذا استمر لفترة طويلة. فالنفط يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكاليف النقل والصناعة والكهرباء والبتروكيماويات والعديد من الأنشطة الاقتصادية.

ومع صعود أسعار الخام، ترتفع تكلفة الوقود، وهو ما يضغط على تكاليف الشركات والأسر. وإذا انتقلت الزيادة إلى أسعار السلع والخدمات، فقد يتجدد الضغط التضخمي في اقتصادات كانت تسعى إلى احتواء التضخم.

وهنا تظهر معادلة شديدة الحساسية أمام البنوك المركزية: ارتفاع النفط قد يعني تضخمًا أعلى في الوقت الذي تحاول فيه الاقتصادات الحفاظ على النمو وخفض تكلفة الاقتراض.

كما أن استمرار الأسعار المرتفعة قد يضعف القوة الشرائية للمستهلكين في الدول المستوردة للطاقة، بينما يمنح في المقابل دعمًا أكبر لإيرادات الدول والشركات المنتجة والمصدرة للنفط.

السوق أمام سيناريوهين

في المدى القصير، تبدو سوق النفط شديدة الحساسية للأخبار الجيوسياسية. أي تطور إيجابي في مسار التوترات قد يدفع الأسعار إلى جني سريع للأرباح والتراجع، بينما أي تصعيد جديد، خصوصًا إذا ارتبط بالملاحة أو منشآت الطاقة أو صادرات الخام، يمكن أن يعيد إشعال موجة الصعود.

أما السيناريو الأكثر خطورة فيتمثل في انتقال الأزمة من «علاوة مخاطر» إلى «اضطراب فعلي في الإمدادات». ففي الحالة الأولى ترتفع الأسعار بسبب الخوف، لكنها قد تتراجع بمجرد انحسار المخاوف. أما في الحالة الثانية، فإن السوق تواجه مشكلة حقيقية في توافر الخام أو وصوله، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى ويجعل الموجة الصعودية أكثر استمرارًا.

ومن هنا، فإن حاجز 95 دولارًا ليس مجرد رقم نفسي في شاشات التداول، بل محطة تعكس مدى حساسية سوق النفط تجاه التطورات السياسية والأمنية.

 

 

للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا 

للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا 

للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا 

للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا 

للمزيد من فيديوهات media maghreb  بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا 

للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا 

Share this content:

إرسال التعليق