تمكين المرأة في الجزائر.. من الاعتراف بالحقوق إلى توسيع مجالات المشاركة
لم تعد قضية تمكين المرأة في الجزائر تندرج ضمن الملفات الاجتماعية المرتبطة بالأسرة والرعاية والحماية فقط، بل تحولت تدريجيًا إلى جزء من النقاش الأوسع حول التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية وتعزيز أداء مؤسسات الدولة. فالمرأة الجزائرية باتت حاضرة في قطاعات التعليم والصحة والقضاء والإدارة والبحث العلمي والجيش والأمن والاقتصاد، كما أصبحت مشاركتها في الحياة العامة والسياسية والأنشطة المقاولاتية أحد المؤشرات التي تُقاس من خلالها قدرة المجتمع على استثمار طاقاته البشرية.
وتنبع أهمية هذا المسار من خصوصية الجزائر باعتبارها دولة محورية في المغرب العربي وذات امتداد جغرافي وسياسي وأمني واقتصادي نحو الساحل الإفريقي. فالتحديات المرتبطة بالتنمية، ومكافحة الفقر والهشاشة، وتحسين فرص العمل، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، تجعل من إدماج النساء في الدورة الاقتصادية والاجتماعية قضية تتجاوز الحدود الوطنية، وترتبط بمستقبل المنطقة بأكملها.
وتستند السياسة الجزائرية تجاه المرأة إلى مجموعة من النصوص الدستورية والقانونية والبرامج الحكومية، إلى جانب مؤسسات رسمية تتوزع أدوارها بين التضامن الوطني والأسرة، والعمل والتشغيل، والتكوين المهني، والتعليم العالي، والفلاحة، والصناعة، والتجارة، والداخلية والجماعات المحلية. غير أن قياس التقدم في هذا المجال لا يتوقف عند عدد القوانين أو البرامج المعلنة، وإنما يرتبط بمدى وصول آثارها إلى النساء في المدن والقرى والمناطق الحدودية والجنوب والهضاب العليا.
الإطار الدستوري والقانوني لحماية حقوق المرأة
كرّس الدستور الجزائري مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين، وأقر حماية الحقوق الأساسية للمرأة، كما نص على التزام الدولة بترقية الحقوق السياسية للمرأة وتوسيع فرص مشاركتها في الحياة العامة. ويشكل هذا الإطار الدستوري قاعدة قانونية للسياسات العمومية المتعلقة بالمرأة، حتى وإن ظلت عملية تحويل المبادئ العامة إلى نتائج ملموسة مرتبطة بالتشريعات التطبيقية والبرامج والموارد وآليات المتابعة.
وتضم المنظومة القانونية الجزائرية أحكامًا تتعلق بحماية المرأة من العنف، وتجريم بعض أشكال الاعتداء داخل الأسرة، وتنظيم الحقوق المهنية والاجتماعية للنساء العاملات، إلى جانب تعديلات أُدخلت على قانون الأسرة خلال السنوات الماضية. كما تتيح التشريعات للمرأة ممارسة أنشطة مهنية وتجارية والاستفادة من عدد من آليات التمويل والتشغيل، مع استمرار النقاش حول بعض القضايا المرتبطة بالمساواة الفعلية، والحقوق الاقتصادية، والولوج إلى سوق العمل، والتوفيق بين المسؤوليات المهنية والأسرية.
وتكمن أهمية هذه المنظومة في أنها توفر الأساس الذي تتحرك من خلاله مؤسسات الدولة، إلا أن التطبيق يظل عنصرًا حاسمًا، خصوصًا في المناطق التي تواجه فيها النساء صعوبات مرتبطة بالفقر أو ضعف النقل أو محدودية الخدمات أو نقص المعلومات القانونية. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل التمكين القانوني عن التمكين الاقتصادي والاجتماعي، لأن امتلاك الحق على الورق لا يضمن بالضرورة القدرة على ممارسته في الحياة اليومية.
وزارة التضامن الوطني.. المؤسسة الحكومية المعنية بالمرأة والأسرة
تضطلع وزارة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة بدور محوري في تنفيذ السياسات الاجتماعية المرتبطة بالنساء والفتيات والفئات الهشة، كما تشارك في إعداد البرامج الرامية إلى تحسين ظروف المرأة، ولا سيما المرأة الريفية والنساء ذوات الاحتياجات الخاصة والنساء اللواتي يعشن أوضاعًا اجتماعية واقتصادية صعبة.
وتشمل مجالات تدخل الوزارة برامج المساعدة الاجتماعية، ودعم الفئات المحرومة، والمساهمة في حماية الأسرة، ومرافقة النساء في وضعيات صعبة، والتنسيق مع المؤسسات والهياكل الاجتماعية التابعة للقطاع. كما ترتبط بها ملفات تتعلق بترقية المرأة، والتوعية بحقوقها، ودعم المبادرات الرامية إلى تحسين اندماجها في المجتمع، فضلًا عن المشاركة في إعداد التقارير الوطنية الخاصة بالمرأة والأسرة.
ويكتسب دور الوزارة أهمية خاصة في المناطق الريفية والداخلية، حيث لا ترتبط مشكلة تمكين المرأة دائمًا بغياب الرغبة في العمل أو الإنتاج، وإنما قد تتصل بضعف وسائل النقل، أو محدودية التمويل، أو صعوبة الوصول إلى الأسواق، أو نقص التدريب، أو عدم توفر هياكل الرعاية والخدمات الاجتماعية. ومن ثم، فإن الحماية الاجتماعية يمكن أن تشكل مدخلًا أوليًا للانتقال بالمرأة من دائرة الاحتياج إلى دائرة الاستقلال الاقتصادي التدريجي.
وفي سياق المغرب العربي والساحل الإفريقي، تبرز أهمية هذا النوع من السياسات في التعامل مع الفوارق بين المناطق، لأن تمكين المرأة لا يمكن أن يقتصر على المدن الكبرى، بل يتطلب برامج تصل إلى القرى والمناطق النائية والحدودية، وتراعي الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية لكل منطقة .
التشغيل والتكوين المهني.. الطريق إلى الاستقلال الاقتصادي
يمثل العمل أحد أهم مفاتيح تمكين المرأة في الجزائر، ولذلك تتقاطع مسؤولية وزارة التضامن الوطني مع أدوار وزارة العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، ووزارة التكوين والتعليم المهنيين، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، إلى جانب أجهزة التشغيل والمرافقة الاقتصادية.
وتتجه سياسات التشغيل والتكوين إلى تحسين قابلية الشباب للاندماج في سوق العمل، وتطوير المهارات المهنية، ومرافقة طالبي العمل، وتوفير فرص التدريب وإعادة التأهيل. وتستفيد النساء من هذه البرامج من حيث المبدأ، غير أن استفادتهن الفعلية قد تتأثر بعوامل اجتماعية وجغرافية، مثل طبيعة التخصصات المتاحة، وبعد مراكز التكوين، ونوعية الوظائف المعروضة، والقدرة على التنقل، والمسؤوليات الأسرية.
وتشير الاتجاهات العامة في أسواق العمل إلى أن ارتفاع مستوى تعليم النساء لا يؤدي تلقائيًا إلى ارتفاع مماثل في مشاركتهن الاقتصادية، إذ تتداخل عوامل عدة، من بينها محدودية الوظائف الملائمة، والفجوة بين التخصصات التعليمية واحتياجات السوق، وأعباء الرعاية غير مدفوعة الأجر، وتفاوت فرص العمل بين المدن والمناطق الريفية.
ومن هنا، فإن التوجه نحو تمكين المرأة اقتصاديًا يحتاج إلى سياسات متكاملة تتجاوز التدريب النظري، وتربط التكوين بفرص العمل الحقيقية، وتوفر دعمًا للانتقال إلى سوق العمل، وتضمن بيئة مهنية آمنة، وتتيح للمرأة فرص التطور الوظيفي والترقي إلى مواقع المسؤولية.
دعم المرأة المقاولة وتشجيع النشاط الاقتصادي
أصبح دعم المرأة المقاولة أحد المسارات المهمة في سياسات التمكين الاقتصادي بالجزائر، في ظل توجه الدولة إلى تنويع الاقتصاد وتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمؤسسات الناشئة والعمل الحر. وتستفيد النساء، شأنهن شأن بقية أصحاب المشاريع، من آليات المرافقة والتمويل والتكوين التي توفرها أجهزة عمومية وهيئات متخصصة في دعم إنشاء المؤسسات والنشاطات الاقتصادية.
ويشمل التمكين الاقتصادي للمرأة تشجيعها على إنشاء المؤسسات المصغرة، وتطوير الأنشطة الحرفية والإنتاجية، والاستفادة من برامج التكوين في الإدارة والتسويق والمحاسبة والرقمنة، فضلًا عن مساعدتها على الانتقال من النشاط الفردي المحدود إلى مشروع قادر على الاستمرار والتوسع.
غير أن التحدي لا يرتبط فقط بإطلاق المشروع، بل بقدرته على البقاء في السوق. فالعديد من النساء يحتجن إلى مرافقة مستمرة بعد الحصول على التمويل، وإلى مساعدة في الوصول إلى الزبائن والأسواق، والاستفادة من التجارة الإلكترونية، وتطوير العلامة التجارية، والتعامل مع الإجراءات الإدارية والجبائية. كما تظل مسألة الوصول إلى التمويل، وامتلاك الأصول، وتوفير الضمانات، من القضايا التي تستحق اهتمامًا أكبر في برامج التمكين الاقتصادي.
وتتضاعف أهمية هذا المسار في المغرب العربي، حيث يمكن للمشروعات النسائية الصغيرة أن تساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي، وتوفير فرص العمل، والحفاظ على الصناعات التقليدية، ودعم المنتجات الزراعية والحرفية، وفتح قنوات للتبادل التجاري بين دول المنطقة. كما يمكن أن تمتد آثار هذه المشاريع إلى محيط الساحل الإفريقي إذا ارتبطت بسلاسل القيمة الإقليمية والتجارة العابرة للحدود.
المرأة الريفية.. تمكين اقتصادي يرتبط بالأمن الغذائي
تحتل المرأة الريفية موقعًا خاصًا في برامج التنمية الجزائرية، نظرًا إلى دورها في الزراعة وتربية المواشي والصناعات الغذائية التقليدية والحرف اليدوية والأنشطة المنزلية المنتجة. وغالبًا ما تؤدي النساء في المناطق الريفية أدوارًا اقتصادية مهمة، حتى عندما لا يظهر عملهن بوضوح في الإحصاءات الرسمية أو لا يكون مسجلًا ضمن وظائف مأجورة.
وتتصل جهود تمكين المرأة الريفية بقطاعات عدة، من بينها وزارة الفلاحة والتنمية الريفية، ووزارة التضامن الوطني، وقطاع التكوين المهني، والهيئات المحلية، إلى جانب الجمعيات والتعاونيات. ويمكن أن تشمل الإجراءات ذات الصلة التكوين في تقنيات الإنتاج والتحويل الغذائي، ومرافقة التعاونيات، وتشجيع المنتجات المحلية، وتسهيل الوصول إلى التمويل والأسواق، وتحسين ظروف العمل والإنتاج.
ولا يقتصر أثر هذه البرامج على تحسين دخل المرأة، بل يمكن أن يساهم في تعزيز الأمن الغذائي المحلي، والحد من الهجرة الاقتصادية من الريف، وتثبيت السكان في مناطقهم، وحماية المعارف التقليدية، وتحويل المنتجات الريفية إلى سلع قابلة للتسويق على نطاق أوسع.
وتحتاج المرأة الريفية، في المقابل، إلى منظومة دعم تتجاوز التمويل الأولي، وتشمل النقل والتخزين والتسويق والتأمين والتغطية الاجتماعية والتكوين الرقمي. كما أن نجاح أي برنامج في هذا المجال يتطلب إشراك النساء المستفيدات في تحديد الأولويات، بدل الاكتفاء بتصميم برامج مركزية لا تراعي دائمًا الفروق بين مناطق الشمال والجنوب والهضاب العليا والمناطق الحدودية.
التعليم والصحة.. قاعدة أساسية لتوسيع الفرص
لا يمكن الحديث عن تمكين المرأة في الجزائر من دون التوقف عند الدور الذي أداه الاستثمار في التعليم والصحة في توسيع حضور النساء داخل المجتمع. فقد ساهم اتساع فرص التعليم، ولا سيما التعليم الجامعي، في تعزيز حضور الفتيات والنساء في تخصصات علمية ومهنية متعددة، وأتاح لعدد كبير منهن الوصول إلى مواقع كانت لفترات طويلة محدودة الحضور النسائي فيها.
وتشكل قطاعات التعليم العالي والصحة والبحث العلمي مجالات بارزة لمشاركة المرأة الجزائرية، غير أن التحدي لا يرتبط بالوصول إلى الدراسة فقط، بل بانتقال الخريجات إلى الوظائف النوعية، والارتقاء إلى المناصب القيادية، والمشاركة في صناعة القرار العلمي والإداري والاقتصادي.
وفي القطاع الصحي، يرتبط تمكين المرأة أيضًا بضمان وصول النساء والفتيات إلى خدمات صحية ملائمة، خصوصًا في المناطق النائية، وتعزيز التوعية الصحية، ودعم صحة الأم والطفل، والحد من الفوارق بين المناطق. كما تكتسب خدمات الصحة النفسية والحماية من العنف أهمية متزايدة في أي سياسة متكاملة تستهدف تحسين جودة حياة النساء.
وتتطلب هذه المجالات تنسيقًا بين وزارات التربية الوطنية والتعليم العالي والصحة والتضامن الوطني، مع ضرورة توفير بيانات دقيقة ومحدثة تقيس الفوارق بين الجنسين وبين المناطق، وتساعد على توجيه الموارد نحو الفئات الأكثر احتياجًا.
المشاركة السياسية وصناعة القرار
شهدت المشاركة السياسية للمرأة الجزائرية تطورًا مهمًا من خلال حضور النساء في المجالس المنتخبة والإدارة والمؤسسات العمومية، إلى جانب تولي نساء مناصب وزارية وقيادية في قطاعات مختلفة. كما ساهمت التدابير القانونية والسياسية الرامية إلى دعم التمثيل النسائي في توسيع حضور المرأة داخل بعض المؤسسات المنتخبة.
لكن المشاركة السياسية لا تُقاس فقط بعدد المقاعد أو المناصب، بل تتصل أيضًا بقدرة النساء على التأثير في صياغة السياسات العامة، والوصول إلى مواقع القيادة، والمشاركة في اللجان المؤثرة، والتواجد في المجالس المحلية والهيئات الحزبية والمجتمعية.
وتبرز أهمية المشاركة المحلية على وجه الخصوص، لأن المجالس البلدية والولائية تتعامل مباشرة مع ملفات تمس حياة النساء، مثل النقل المدرسي، والخدمات الصحية، والتهيئة العمرانية، والمرافق الاجتماعية، ودعم النشاط الاقتصادي المحلي. ومن ثم، فإن وصول النساء إلى مواقع صنع القرار المحلي يمكن أن يساهم في إدراج قضاياهن ضمن أولويات التخطيط والتنمية.
وفي منطقة المغرب العربي، تظل المشاركة السياسية للنساء ملفًا مشتركًا، تتفاوت تجاربه من دولة إلى أخرى بحسب النظم الانتخابية والقوانين الحزبية والظروف الاجتماعية. كما أن تعزيز مشاركة المرأة في القرار يمكن أن يضيف بعدًا مهمًا إلى النقاشات الإقليمية المرتبطة بالتنمية والاستقرار وإدارة الأزمات في
مكافحة العنف والحماية الاجتماعية
يشكل التصدي للعنف ضد المرأة أحد المكونات الأساسية لسياسات التمكين، لأن المرأة التي تفتقر إلى الأمان داخل الأسرة أو مكان العمل أو المجال العام تواجه صعوبات كبيرة في مواصلة التعليم أو العمل أو المشاركة الاجتماعية.
وتتوزع مسؤولية مكافحة العنف ضد المرأة بين قطاعات العدالة والداخلية والتضامن الوطني والصحة، إلى جانب أجهزة الأمن والقضاء ومؤسسات التكفل الاجتماعي. وتشمل الاستجابة الفعالة توفير آليات للتبليغ والحماية، ومرافقة الضحايا، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني، وضمان التعامل الجاد مع الشكاوى، إلى جانب الوقاية والتوعية.
وتظل الحماية الاجتماعية عاملًا ضروريًا في هذا المجال، خصوصًا بالنسبة إلى النساء المعيلات لأسرهن، أو اللواتي يواجهن أوضاعًا اقتصادية هشة، أو يعشن في مناطق تفتقر إلى الخدمات المتخصصة. كما أن تعزيز استقلالية المرأة المالية يمكن أن يساعدها على اتخاذ قرارات أكثر أمانًا في مواجهة العنف أو الاستغلال.
وتؤكد التجارب الدولية أن وجود القوانين وحده لا يكفي، ما لم تتوافر مؤسسات قادرة على تطبيقها، وموارد بشرية مدربة، وخدمات يسهل الوصول إليها، وتنسيق بين القطاعات الحكومية والمجتمع المدني.
الرقمنة والاقتصاد الجديد.. فرص جديدة أمام النساء
تفتح الرقمنة والاقتصاد التكنولوجي مجالات جديدة أمام المرأة الجزائرية، خصوصًا في العمل عن بُعد، والتجارة الإلكترونية، والخدمات الرقمية، والتسويق الإلكتروني، وإنشاء المؤسسات الناشئة. غير أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب معالجة الفجوة الرقمية بين المناطق والفئات الاجتماعية.
وتحتاج النساء إلى برامج عملية في المهارات الرقمية، وإدارة المشاريع عبر الإنترنت، والأمن السيبراني، والتسويق الإلكتروني، والتعامل مع المنصات المالية، فضلًا عن تحسين الوصول إلى الإنترنت والأجهزة والخدمات الرقمية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى النساء في المناطق الريفية والداخلية، حيث يمكن للعمل الرقمي أن يخفف بعض القيود المرتبطة بالتنقل وبعد الأسواق.
كما يمكن للرقمنة أن تساعد المؤسسات الحكومية على تحسين وصول النساء إلى المعلومات والخدمات، وتبسيط الإجراءات المتعلقة بالتكوين والتمويل والتشغيل والحماية الاجتماعية، شريطة أن تكون المنصات سهلة الاستخدام ومتاحة للفئات الأقل قدرة على التعامل مع التكنولوجيا.
ومن منظور إقليمي، يمكن أن تمثل الرقمنة جسرًا لتطوير شبكات تعاون نسائية بين دول المغرب العربي، وفتح فرص لتسويق المنتجات والخدمات عبر الحدود، وتبادل الخبرات في مجالات المقاولاتية والابتكار والاقتصاد الاجتماعي.
التحديات التي تواجه مسار التمكين
على الرغم من تعدد البرامج والمؤسسات، لا يزال مسار تمكين المرأة في الجزائر يواجه مجموعة من التحديات، في مقدمتها الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق، والتفاوت بين المناطق، ومحدودية مشاركة النساء في بعض القطاعات الاقتصادية، وصعوبة الانتقال من التعليم إلى الوظائف النوعية، فضلًا عن استمرار أعباء الرعاية الأسرية غير مدفوعة الأجر.
كما أن نجاح البرامج الحكومية يتطلب تنسيقًا أكبر بين الوزارات والهيئات المحلية، وتوحيدًا للبيانات المتعلقة بالمرأة، ووضع مؤشرات واضحة لقياس النتائج، بدل الاكتفاء بإحصاء عدد المستفيدات من البرامج أو عدد الدورات التدريبية المنجزة.
وتحتاج السياسات العامة أيضًا إلى تقييم دوري يجيب عن أسئلة أساسية: كم عدد النساء اللواتي حصلن على وظائف مستقرة بعد التكوين؟ وكم مشروعًا نسائيًا استمر بعد مرحلة التمويل الأولى؟ وما مدى استفادة النساء في المناطق الريفية والحدودية؟ وهل وصلت خدمات الحماية والتكفل إلى النساء الأكثر هشاشة؟ وما حجم مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة في ظل التحولات التي تشهدها الجزائر والمنطقة، من تغيرات سوق العمل إلى تحديات الأمن الغذائي والهجرة والتغير المناخي، وهي ملفات تؤثر بصورة مباشرة في النساء، خصوصًا في المناطق الريفية ومناطق الساحل الإفريقي التي تواجه ضغوطًا اقتصادية واجتماعية متداخلة.
نحو سياسة أكثر تكاملًا لتمكين المرأة
يتطلب الانتقال من دعم المرأة إلى تمكينها بناء سياسة عامة متكاملة تجعل المرأة شريكًا في التنمية، لا مجرد مستفيدة من البرامج الاجتماعية. ويعني ذلك ربط التعليم بالتشغيل، والتكوين بالاستثمار، والحماية الاجتماعية بالاستقلال الاقتصادي، والمشاركة السياسية بالتأثير الفعلي في القرار.
كما يتطلب تعزيز حضور المرأة في القطاعات الجديدة، مثل الاقتصاد الأخضر والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والصناعات التحويلية، وتطوير برامج مخصصة للنساء في المناطق الريفية والجنوب والمناطق الحدودية، مع إتاحة التمويل والمرافقة والأسواق.
وتبقى مسؤولية الدولة أساسية في توفير الإطار القانوني والمؤسساتي والمالي، لكن نجاح هذه السياسات يحتاج أيضًا إلى مشاركة القطاع الخاص والجامعات والجمعيات والنقابات والهيئات المحلية، إلى جانب إشراك النساء أنفسهن في تصميم البرامج وتقييمها.
وفي النهاية، فإن تمكين المرأة في الجزائر لا يمثل ملفًا اجتماعيًا منفصلًا، بل يرتبط بصورة مباشرة بمستقبل الاقتصاد الوطني وتماسك المجتمع وقدرة البلاد على مواجهة التحديات الإقليمية. وكلما اتسعت فرص النساء في التعليم والعمل والتمويل وصناعة القرار، ازدادت قدرة الجزائر على استثمار مواردها البشرية وتعزيز حضورها داخل المغرب العربي، وتطوير مقاربات أكثر فاعلية تجاه قضايا التنمية والاستقرار في الساحل الإفريقي.
إن التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة لا يتمثل في إعلان مزيد من البرامج فحسب، وإنما في ضمان وصول آثارها إلى المرأة في كل منطقة، وتحويل الحقوق القانونية إلى فرص عملية، والمساواة الدستورية إلى مشاركة اقتصادية واجتماعية وسياسية قابلة للقياس. فتمكين المرأة، في جوهره، ليس امتيازًا لفئة اجتماعية، بل استثمار طويل الأمد في قدرة الدولة والمجتمع على تحقيق التنمية المستدامة.
للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا
للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا
للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا
للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا
للمزيد من فيديوهات media maghreb بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا
للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا
Share this content:



إرسال التعليق