الصادرات الجزائرية خارج المحروقات تقترب من 4 مليارات دولار
تدخل الصادرات الجزائرية خارج المحروقات مرحلة جديدة من النمو، بعدما اقتربت قيمتها من أربعة مليارات دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، مسجلة ارتفاعاً بنحو 10% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفق بيانات أعلنها مسؤول مركزي بوزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات في 18 أكتوبر الجاري. ويتزامن هذا التطور مع توقعات رسمية بوصول الصادرات خارج المحروقات إلى خمسة مليارات دولار بنهاية العام، في مؤشر يعكس اتساع الاهتمام بتسويق المنتجات الجزائرية في الأسواق الخارجية، وإن كان بلوغ المستهدف السنوي يظل رهناً باستمرار وتيرة التصدير خلال الأشهر المتبقية.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية تتجاوز قيمتها المالية المباشرة، لأن الاقتصاد الجزائري يعمل على توسيع قاعدة إيراداته من مصادر غير النفط والغاز، وتقليل تعرض الميزان التجاري لتقلبات أسعار الطاقة في الأسواق الدولية. فالتحدي لا يتمثل في تسجيل زيادة مؤقتة في قيمة الصادرات فحسب، وإنما في بناء قاعدة إنتاجية قادرة على تكرار الأداء، وتوفير منتجات تنافسية، وتوسيع الأسواق المستقبلة، مع ضمان تحصيل عائدات التصدير وتحويلها وفق القواعد المعمول بها. ومن هنا، يصبح نمو الصادرات غير النفطية اختباراً لقدرة الصناعة والزراعة والخدمات المرتبطة بالتجارة على التحول إلى مصادر مستدامة للعملة الصعبة.
وتشير البيانات الرسمية المنشورة عن عام 2025 إلى أن النمو لم يقتصر على نشاط واحد؛ فقد سجلت المنتجات الكيميائية ومواد البناء والأجهزة الكهربائية والمنزلية تحركات إيجابية، كما توسعت صادرات الأسمدة والصناعات الغذائية والمنتجات الزراعية. ويعني ذلك أن خريطة الصادرات الجزائرية تتضمن مجموعة من الأنشطة ذات فرص متفاوتة، بعضها يستند إلى قاعدة صناعية قائمة، وبعضها الآخر يمكن أن يستفيد من توسيع التصنيع الزراعي وتحسين الجودة والتعبئة والتغليف. غير أن قراءة هذه المؤشرات تقتضي التمييز بين معدلات النمو المسجلة في فترات محددة وبين المساهمة الفعلية لكل قطاع في إجمالي حصيلة الصادرات.
الصناعات الغذائية الجزائرية.. قيمة مضافة وفرص في أسواق المغرب العربي
تقدم الصناعات الغذائية مثالاً واضحاً على انتقال بعض المنتجات المحلية من تلبية الطلب الداخلي إلى البحث عن أسواق خارجية. فقد بلغت قيمة صادرات الجزائر من المنتجات الغذائية 213 مليون دولار خلال الفترة الممتدة من يناير إلى أغسطس 2026، بزيادة قدرها 15% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، وفق الأرقام التي أعلنها المسؤول بوزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات. وتشمل المنتجات التي أشار إليها التصريح الشوكولاتة وزيت الزيتون والبسكويت والأجبان والمعلبات والمارغرين والصلصات والتوابل، وهي فئات تكشف عن تنوع يتجاوز تصدير المواد الزراعية الخام إلى منتجات خضعت للتصنيع والتحويل.
وتكمن أهمية هذا المسار في أن تصنيع الأغذية يتيح توزيع القيمة الاقتصادية على حلقات متعددة، تبدأ بالإنتاج الزراعي أو توفير المواد الأولية، مروراً بالتصنيع والتعبئة والنقل والتخزين، وصولاً إلى التسويق والتوزيع. كما يمنح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة فرصة للدخول إلى التصدير عبر منتجات متخصصة، بدلاً من الاعتماد حصراً على الصناعات كثيفة رأس المال. لكن توسيع الحضور الخارجي يتطلب الالتزام بالمواصفات الصحية والفنية في الأسواق المستهدفة، وتطوير العلامات التجارية، وضمان استقرار الإمدادات، والقدرة على المنافسة في السعر والجودة معاً.
وفي فضاء المغرب العربي، تبدو المنتجات الغذائية من أكثر الفئات القابلة للاستفادة من التقارب الجغرافي والروابط التجارية والطلب على السلع الاستهلاكية اليومية. فالقرب من الأسواق يمكن أن يقلل زمن النقل لبعض المنتجات، بينما يتيح التنوع الزراعي والصناعي بناء علاقات توريد وتوزيع أكثر انتظاماً. أما في الساحل الإفريقي، فتفتح الأغذية المعبأة والمنتجات طويلة الصلاحية مجالاً لتلبية احتياجات أسواق متعددة، شريطة أن تراعي الشركات تكاليف النقل والتخزين وقدرات التوزيع المحلية. وهذه فرص تجارية محتملة وليست دليلاً على أن كل هذه الأسواق تستقبل بالفعل كميات محددة من الصادرات الجزائرية؛ إذ يتطلب تحديد الوجهات الفعلية الرجوع إلى بيانات التجارة حسب المنتج والشريك التجاري.
وتبقى القدرة على تحويل النمو في صادرات الأغذية إلى اتجاه مستدام مرتبطة بمدى تطوير سلاسل التوريد، وتقليل الفاقد، وتحسين التعبئة والتغليف، وتعزيز شهادات الجودة، وتوفير معلومات دقيقة عن متطلبات كل سوق. كما أن المعارض التجارية المتخصصة يمكن أن تساعد المنتجين الجزائريين في الوصول إلى موزعين ومشترين جدد، خصوصاً عندما تُستكمل المشاركة فيها بعقود توريد ومتابعة تجارية منتظمة.
الأسمدة والمنتجات الكيميائية.. قاعدة صناعية تدعم الصادرات
تحتل الأسمدة والمنتجات الكيميائية موقعاً مهماً في هيكل الصادرات الجزائرية خارج المحروقات، بالنظر إلى ارتباطها بالقدرات الصناعية القائمة وإمكانية توجيهها إلى أسواق تحتاج إلى مدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي. وقد أظهرت بيانات الأشهر السبعة الأولى من عام 2025 ارتفاع صادرات الأسمدة والمنتجات الكيميائية بنحو 9%، لتبلغ قيمتها الإجمالية نحو 1.5 مليار دولار خلال تلك الفترة، وفق تصريح لمسؤول بقطاع التجارة الخارجية نقلته وسائل إعلام جزائرية. وهذه القيمة تخص المجموعة المذكورة في التصريح، ولا ينبغي اعتبارها تفصيلاً كاملاً أو نهائياً لكل مكونات الصادرات الكيميائية خلال عام 2026.
وتبرز أهمية هذه الفئة في قدرتها على خدمة أسواق متعددة؛ فالأسمدة ترتبط مباشرة بالإنتاج الزراعي، في حين تدخل منتجات كيميائية أخرى في عمليات صناعية مختلفة. ويمكن أن يمنح هذا التنوع الجزائر فرصة لبناء علاقات تجارية مع بلدان في المغرب العربي والساحل الإفريقي وقارة إفريقيا، حيث تمثل زيادة الإنتاج الزراعي وتطوير الصناعات التحويلية مسارين مهمين لتعزيز الأمن الغذائي وتقوية الاقتصادات المحلية. لكن نجاح التوسع يتوقف على ملاءمة المنتجات للمواصفات المطلوبة، وتنافسية الأسعار، واستقرار التوريد، والقدرة على توفير خدمات النقل والتوزيع.
وتتصل هذه الفرص أيضاً بالتحدي المرتبط بالقيمة المضافة. فزيادة صادرات المنتجات الكيميائية لا تعني تلقائياً التخلص من الاعتماد على المحروقات إذا ظلت المنتجات المصدرة مركزة في سلع مرتبطة بالطاقة أو شديدة التأثر بتقلبات أسعارها. وقد أشار صندوق النقد الدولي في تقريره الخاص بالجزائر لعام 2025 إلى أن الصادرات خارج المحروقات ظلت مركزة في منتجات تشمل الأسمدة والإسمنت والحديد والصلب، بما يجعلها عرضة لبعض التقلبات المرتبطة بالأسواق العالمية. لذلك، فإن المرحلة التالية تتطلب توسيع تنوع المنتجات، وتطوير الصناعات التحويلية، وتعزيز تنافسية المنتجات ذات المحتوى التقني الأعلى.
الحديد والصلب.. من الإنتاج الصناعي إلى المنافسة في الأسواق الخارجية
يمثل الحديد والصلب أحد أبرز المسارات التي يمكن أن تسهم في تنويع الصادرات الجزائرية، خصوصاً مع وجود طلب على المنتجات المعدنية المرتبطة بالبناء والصناعة والبنية التحتية. وتمنح هذه الصناعة الاقتصاد فرصة للاستفادة من الإنتاج الصناعي واسع النطاق، بدلاً من حصر العائدات الخارجية في المواد الأولية والموارد الطبيعية. كما أن منتجات الحديد والصلب يمكن أن تدخل في سلاسل توريد قطاعات أخرى، ما يجعل تطويرها مرتبطاً بقدرة المصانع على توفير منتجات مطابقة للمواصفات وبكميات منتظمة وأسعار قابلة للمنافسة.
وتحمل أسواق المغرب العربي والساحل الإفريقي إمكانات تجارية للمنتجات المعدنية، بالنظر إلى الاحتياجات المرتبطة بالإسكان والطرق والمرافق العامة والمنشآت الصناعية. إلا أن تحويل هذه الإمكانات إلى عقود فعلية يتطلب أكثر من توافر الإنتاج؛ إذ يحتاج المصدرون إلى دراسة معايير البناء في كل سوق، وتكاليف الشحن، ومواعيد التسليم، وشروط الدفع، وقدرة الموانئ والمعابر على التعامل مع الشحنات الثقيلة. كما أن التنافس في هذه الأسواق لا يقتصر على السعر، بل يشمل جودة المنتج واستمرارية الإمدادات والخدمات اللوجستية المصاحبة.
ومن المنظور الاقتصادي، تزداد أهمية الصادرات المعدنية عندما تكون جزءاً من قاعدة صناعية أوسع، ترتبط فيها مصانع الصلب بموردي الخدمات والنقل والصيانة والتجهيزات. فكلما ارتفعت قدرة المؤسسات المحلية على توفير مدخلات الإنتاج والخدمات المصاحبة، زادت فرص الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة داخل الاقتصاد الوطني. غير أن تقييم الأثر الفعلي يتطلب بيانات منفصلة عن الكميات المصدرة والأسعار والوجهات وتكلفة الإنتاج، وليس الاكتفاء بإجمالي قيمة الصادرات خارج المحروقات.
مواد البناء والسيراميك والإسمنت.. فرص مرتبطة بالتوسع العمراني الإفريقي
تأتي مواد البناء ضمن القطاعات التي سجلت أداءً إيجابياً في الصادرات الجزائرية خلال عام 2025. ووفق البيانات التي نُشرت عن الأشهر السبعة الأولى من ذلك العام، بلغت صادرات مواد البناء والسيراميك نحو 560 مليون دولار، بزيادة قدرها 11% مقارنة بالفترة المقابلة من العام السابق. وتُظهر هذه الأرقام أن منتجات مثل السيراميك والمواد المرتبطة بالبناء تمتلك قاعدة تصديرية قائمة، وإن كانت النتائج المسجلة لفترة محددة لا تكفي وحدها للحكم على اتجاه القطاع في عام 2026 بأكمله.
وتكتسب هذه الفئة أهمية خاصة في النقاش حول التجارة بين بلدان المغرب العربي والساحل الإفريقي، حيث ترتبط حركة البناء بتطوير المساكن والمنشآت التجارية والطرق والمرافق الأساسية. ويمكن للمصنع الجزائري الذي يملك قدرة إنتاجية مستقرة أن يبحث عن فرص في الأسواق القريبة أو الأسواق المرتبطة بمشروعات بنية تحتية، لكن هذه الفرص تظل مشروطة بقدرة المنتج على المنافسة أمام الموردين الآخرين، وبالقدرة على نقل المواد الثقيلة بكلفة معقولة. وفي منتجات الإسمنت والكلنكر تحديداً، تؤثر المسافة بين المصنع والسوق المستهدفة بصورة مباشرة في الجدوى التجارية، ما يجعل كفاءة النقل والتخزين عاملاً أساسياً في نجاح التصدير.
وتعتمد الاستفادة المستدامة من هذا المسار على تنويع المنتجات، وتحسين كفاءة الطاقة، والحد من تكاليف الإنتاج، وتطوير حلول تعبئة ونقل تتناسب مع طبيعة كل سلعة. كما أن الوصول إلى الأسواق الإفريقية يحتاج إلى معرفة شروط الاستيراد المحلية وآليات اعتماد المنتجات والمواصفات الفنية المعمول بها. ومن ثم، فإن التوسع في صادرات مواد البناء ليس مجرد زيادة في حجم الإنتاج، بل عملية متكاملة تجمع بين الصناعة والتسويق والتمويل والخدمات اللوجستية.
الأجهزة الكهربائية والمنزلية.. مؤشر على اتساع قاعدة التصنيع
سجلت الأجهزة الكهربائية والمنزلية واحدة من أعلى نسب النمو القطاعية الواردة في بيانات الصادرات الجزائرية للأشهر السبعة الأولى من عام 2025، إذ ارتفعت صادراتها بنحو 36% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وتكتسب هذه الزيادة أهمية لأنها تشير إلى وجود مجال لتوسيع الصادرات في منتجات مصنعة تتطلب قدرات في التجميع والإنتاج وضبط الجودة، وتتيح فرصاً أمام الشركات لتطوير علامات تجارية موجهة إلى المستهلكين خارج السوق المحلية.
وفي أسواق المغرب العربي وقارة إفريقيا، يمكن أن تستفيد هذه المنتجات من الطلب على الأجهزة المستخدمة في المنازل والمنشآت التجارية، لكن التوسع يحتاج إلى شبكة توزيع وخدمات ما بعد البيع وتوفير قطع الغيار والضمانات. وتزداد أهمية هذه المتطلبات في أسواق الساحل الإفريقي، حيث قد تؤثر المسافات وتكاليف النقل وتوافر خدمات الصيانة في قرار الشراء بقدر تأثير السعر الأولي. ولذلك، فإن نجاح الصادرات الكهربائية يتطلب بناء منظومة متكاملة تبدأ من جودة التصنيع وتنتهي بقدرة المستورد والموزع على خدمة المستهلك النهائي.
كما أن نمو صادرات الأجهزة الكهربائية يتيح فرصة لتطوير روابط بين المصانع المحلية وموردي المكونات والخدمات التقنية، بما قد يرفع المحتوى المحلي تدريجياً. غير أن قياس هذا التطور يتطلب معرفة نسبة المكونات المحلية إلى المستوردة، وحجم الإنتاج الموجه إلى التصدير، وعدد الأسواق التي تستقبل المنتجات، ومدى استقرار العقود التجارية. وهذه مؤشرات أكثر دلالة على عمق التصنيع من مجرد تسجيل زيادة سنوية في القيمة المالية للصادرات.
المنتجات الزراعية والمعدنية.. تنويع يتجاوز الصناعات الكبرى
لا تقتصر فرص التصدير على المصانع الكبرى؛ فالمنتجات الزراعية والمواد المستخرجة من المحاجر والمناجم تمثل بدورها جزءاً من قاعدة التنويع الاقتصادي. وقد سجلت صادرات المحاجر والمناجم نمواً بنحو 14% خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025، فيما ارتفعت صادرات الصناعات الغذائية والمنتجات الزراعية بنحو 13% خلال الفترة نفسها، وفق البيانات التي نقلتها الصحافة الجزائرية عن مسؤول بوزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات. وتوضح هذه المؤشرات اتساع نطاق الأنشطة التي يمكن أن تسهم في زيادة الصادرات خارج المحروقات، مع ضرورة عدم الخلط بين نمو كل فئة وبين حصتها من الإجمالي.
وتملك الجزائر تنوعاً زراعياً يمتد من التمور إلى زيت الزيتون والخضروات والفواكه، إلى جانب منتجات غذائية مصنعة يمكن أن تضيف قيمة إلى المحاصيل المحلية. وتبرز أهمية هذا التنوع بالنسبة إلى مناطق الإنتاج في الجنوب والهضاب والمناطق الساحلية، حيث يمكن أن يربط التصدير بين النشاط الزراعي والتعبئة والتخزين والنقل والتصنيع. غير أن الاستفادة الكاملة من هذه الفرصة تتطلب مراعاة موسمية الإنتاج، ومعايير سلامة الغذاء، ومتطلبات التبريد، وتقلبات الأسعار في الأسواق المستهدفة.
أما منتجات المحاجر والمناجم، فتتوقف قدرتها على المنافسة الخارجية على طبيعة المنتج ودرجة معالجته وتكلفة نقله. فالتصدير في صورة مواد خام قد يحقق إيرادات، لكن زيادة القيمة المضافة محلياً، حيث تكون مجدية اقتصادياً وبيئياً، يمكن أن تتيح فرصاً أكبر للتشغيل وتطوير الصناعات المرتبطة بها. ويظل هذا المسار بحاجة إلى سياسات تشجع الاستثمار الإنتاجي وتوازن بين العائد التجاري وحماية الموارد الطبيعية.
المغرب العربي والساحل الإفريقي.. أين تكمن فرص التوسع؟
تتمتع الجزائر بموقع جغرافي يتيح لها الربط بين شمال إفريقيا وعمق القارة الإفريقية، وهو ما يمنح أسواق المغرب العربي والساحل الإفريقي أهمية في أي استراتيجية تستهدف توسيع الصادرات خارج المحروقات. لكن الاستفادة من هذا الموقع لا تتحقق تلقائياً؛ إذ تتوقف على سهولة عبور البضائع، وتكلفة النقل، وتوافر التمويل التجاري، ووضوح إجراءات الجمارك، وقدرة المصدرين على التعامل مع متطلبات الأسواق المختلفة.
وفي هذا السياق، يرتبط التوسع التجاري بمشروعات الربط الإقليمي. فقد أشار بنك التصدير والاستيراد الإفريقي في عرضه للعلاقات التجارية الجزائرية الإفريقية إلى أهمية مشروعات البنية التحتية، ومنها الطريق العابر للصحراء ومشروع الطريق الرابط بمنطقة تندوف باتجاه موريتانيا، في تعزيز الاتصال التجاري بين الجزائر وبلدان القارة. وتكتسب هذه المشروعات أهميتها من قدرتها المحتملة على خفض بعض عوائق النقل وتحسين وصول المنتجات إلى الأسواق الداخلية البعيدة عن الموانئ، مع بقاء الأثر الفعلي مرهوناً بجاهزية المسارات وتكاليف استخدامها وإجراءات العبور.
وتختلف الفرص من قطاع إلى آخر. فالأسمدة والمنتجات الكيميائية ترتبط باحتياجات الزراعة والصناعة، ومواد البناء ترتبط بالمشروعات العمرانية، بينما تعتمد الأجهزة المنزلية والمنتجات الغذائية على شبكات توزيع تصل إلى الشركات والمستهلكين. وهذا يعني أن التوسع في الساحل الإفريقي يحتاج إلى استراتيجية تجارية متخصصة، لا إلى التعامل مع المنطقة كسوق موحدة ذات احتياجات متماثلة. ويجب أن تشمل هذه الاستراتيجية دراسة القدرة الشرائية، وحجم الطلب، والمنافسين، ومتطلبات الاستيراد، ووسائل النقل المتاحة، والمخاطر المرتبطة بتمويل الصفقات وتحصيل المدفوعات.
أما في المغرب العربي، فيمكن للتقارب الجغرافي أن يدعم تجارة المنتجات الغذائية والسلع الصناعية ومواد البناء، بشرط معالجة العوائق التجارية واللوجستية والاستفادة من الروابط بين الشركات والموزعين. وتظل البيانات المفصلة بحسب الوجهة ضرورية لتحديد الأسواق التي تستقبل بالفعل المنتجات الجزائرية وتلك التي ما زالت تمثل فرصاً غير مستغلة؛ فالإمكانات التجارية لا ينبغي تقديمها باعتبارها تدفقات تصديرية مؤكدة من دون إحصاءات تثبت ذلك.
منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.. إطار لتوسيع السوق
تتيح منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية إطاراً مهماً لتطوير التجارة بين بلدان القارة، إذ تستهدف إنشاء سوق موحدة للسلع والخدمات، وتسهيل التبادل التجاري، وتعزيز سلاسل القيمة الإقليمية. وقد بدأ التداول التجاري في إطار الاتفاقية في الأول من يناير 2021، فيما ترتبط أهدافها بتعميق التكامل الاقتصادي الإفريقي وتحسين قدرة الاقتصادات المحلية على المشاركة في التجارة العالمية.
بالنسبة إلى الجزائر، تكمن أهمية هذا الإطار في إمكان توسيع قاعدة المشترين المحتملين للمنتجات المصنعة، وتحفيز المؤسسات على تطوير مواصفات قابلة للتسويق عبر الحدود، وبناء شراكات إنتاج وتوزيع مع شركات في بلدان إفريقية أخرى. لكن الاتفاقية لا تعني أن جميع المنتجات ستدخل الأسواق بلا شروط؛ إذ تظل قواعد المنشأ والتعريفات المعمول بها ومتطلبات المطابقة والإجراءات الجمركية عوامل مؤثرة في فرص كل منتج. ومن ثم، فإن الاستفادة منها تتطلب استعداداً عملياً من المصدرين والمؤسسات المالية والجهات المعنية بالتجارة.
ويقدم تنظيم المعارض التجارية القارية فرصة لتقريب المصدرين من المشترين والمستثمرين. وقد استضافت الجزائر معرض التجارة البينية الإفريقية لعام 2025، الذي أعلن منظموه والجهات الجزائرية المشاركة فيه عن اتفاقات والتزامات تجارية مرتبطة بالمعرض. وتمثل هذه المنصات أداة لتوسيع العلاقات التجارية، لكن تقييم أثرها طويل الأجل ينبغي أن يستند إلى ما يتحول من الاتفاقات المعلنة إلى عقود منفذة وشحنات فعلية ومدفوعات محصلة.
التحديات التي تفصل بين نمو الصادرات واستدامته
على الرغم من تحسن مؤشرات الصادرات الجزائرية غير النفطية، فإن استمرار النمو يتطلب معالجة مجموعة من التحديات الهيكلية. يأتي في مقدمتها استمرار تركّز الصادرات الإجمالية في المحروقات، إلى جانب الحاجة إلى توسيع تنوع المنتجات خارج القطاعات المرتبطة بالطاقة. وقد أوضح صندوق النقد الدولي أن المحروقات مثلت 84% من إجمالي صادرات السلع والخدمات الجزائرية في عام 2023، و91% من صادرات السلع، وهو ما يبرز حجم المسافة التي ما زالت تفصل الاقتصاد عن تنويع أوسع لقاعدة صادراته. وهذه النسب تخص عام 2023 ولا تصف بالضرورة التركيبة الدقيقة للصادرات في عام 2026، لكنها تقدم خلفية مهمة لفهم التحدي.
ويتمثل التحدي الثاني في ضمان تحويل نمو الصادرات إلى عائدات فعلية ومستقرة. فنجاح الصفقة لا ينتهي بخروج البضاعة من الميناء أو عبورها الحدود، بل يتطلب تحصيل قيمتها، وتقليل مخاطر التأخر في السداد، وضمان قدرة المؤسسة المصدرة على تمويل دورة إنتاج جديدة. وتزداد أهمية هذه المسألة عند التعامل مع أسواق بعيدة أو مع موزعين جدد، حيث تؤثر أدوات التمويل والتأمين التجاري وآليات فض المنازعات في قرار التوسع.
أما التحدي الثالث فيتعلق بالتكلفة والجودة. فالمصدر الجزائري يحتاج إلى منافسة منتجات من دول أخرى في أسواق تتفاوت فيها المواصفات الفنية والقدرة الشرائية وكلفة النقل. ولهذا فإن الاستثمار في الإنتاجية والتكنولوجيا والتدريب، إلى جانب تحسين خدمات الموانئ والطرق والتخزين، يمثل جزءاً أساسياً من استراتيجية التصدير، وليس مجرد عامل مساعد لها. ويشير البنك الدولي إلى أن تعزيز النمو خارج المحروقات يتطلب استمرار التقدم في القطاعات الإنتاجية وتحسين بيئة الأعمال وزيادة دور القطاع الخاص.
هل تصل الصادرات الجزائرية إلى خمسة مليارات دولار بنهاية 2026؟
يمثل الوصول إلى خمسة مليارات دولار هدفاً معلناً لعام 2026، بعدما اقتربت الصادرات خارج المحروقات من أربعة مليارات دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى. لكن بلوغ هذا المستوى يتطلب استمرار التدفقات التصديرية خلال بقية العام، وعدم حدوث تراجع مؤثر في الطلب أو الأسعار أو الشحنات. ومن المهم هنا التمييز بين القيمة التي تحققت بالفعل والتوقع المستقبلي؛ فالرقم الأول يستند إلى تصريح رسمي عن الفترة المنقضية، أما الثاني فيظل مستهدفاً وليس نتيجة نهائية مؤكدة.
والأهم من الوصول إلى الرقم المستهدف هو المحافظة على نمو قابل للاستمرار في السنوات التالية، مع توسيع عدد المنتجات المصدرة والأسواق المستقبلة، ورفع حصة السلع المصنعة ذات القيمة المضافة، وتعزيز مساهمة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. فكلما أصبحت الصادرات الجزائرية أكثر تنوعاً، وأقل اعتماداً على مجموعة محدودة من السلع، زادت قدرة الاقتصاد على مواجهة تقلبات الأسواق الدولية.
وبالنسبة إلى المغرب العربي والساحل الإفريقي وقارة إفريقيا، فإن استمرار هذا المسار يمكن أن يفتح مجالاً أوسع للتجارة الصناعية والغذائية، ويعزز فرص بناء سلاسل توريد إقليمية تخدم المنتجين والموزعين والمستهلكين. لكن تحقيق هذه النتيجة يحتاج إلى تحويل الفرص الجغرافية والاتفاقات التجارية إلى عقود قابلة للتنفيذ، وإلى تحسين البنية التحتية والخدمات المالية والتجارية. وفي النهاية، لا يقاس نجاح التنويع الاقتصادي بحجم الصادرات في سنة واحدة فقط، بل بقدرة المؤسسات الجزائرية على تكرار النمو، وتوسيع أسواقها، وتحويل الإنتاج الوطني إلى حضور تجاري مستقر داخل إفريقيا وخارجها.
الصادرات الجزائرية خارج المحروقات | 2026
نحو 4 مليارات دولار
+10%
مقارنة بالأشهر الثمانية الأولى من 2025
المستهدف بنهاية 2026
5 مليارات دولار
المصدر: وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، وفق تصريحات منشورة في 18 أكتوبر 2026.
أبرز القطاعات المصدرة
مؤشرات قطاعية لفترات مختلفة؛ لا تمثل توزيعاً تفصيلياً لإجمالي صادرات 2026.
الصناعات الغذائية
213 مليون دولار
يناير–أغسطس 2026
نمو 15%
الأسمدة والكيماويات
1.5 مليار دولار
يناير–يوليو 2025
نمو 9%
مواد البناء والسيراميك
560 مليون دولار
يناير–يوليو 2025
نمو 11%
الأجهزة الكهربائية والمنزلية
+36%
نمو الصادرات خلال يناير–يوليو 2025
القيمة غير محددة في المصدر المشار إليه
قطاعات داعمة للتوسع
الحديد والصلب
توسيع الصادرات الصناعية والاستفادة من الطلب على المنتجات المعدنية.
المنتجات الزراعية والمحاجر والمناجم
تطوير سلاسل القيمة وزيادة فرص التصنيع والتسويق الخارجي.
الأسواق والفرص
المغرب العربي والساحل الإفريقي وقارة إفريقيا
فرص لتوسيع تجارة الأغذية والمواد الصناعية ومواد البناء، مدعومة بالربط اللوجستي والتكامل التجاري القاري.
للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا
للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا
للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا
للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا
للمزيد من فيديوهات media maghreb بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا
للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا
Share this content:



إرسال التعليق