التراث الوطني

التّراث الوطني من التّمجيد إلى التّجسيد

بقلم أحمد جعدي – مختص تربوي … السائر في دروب المواطنة بين أحضان الوطن، مُدرك لتفاصيل ومفاصل الحركة والسكون، لأنه شرب المبادئ التي توارثها عن الأجداد ومكّن للعادات والتقاليد الضاربة جذورها في أعماق التاريخ، وإذا كان الهدف مرسوما معلوما ستعرف الأجيال متى تتوقف لالتقاط الأنفاس ومتى تواصل لتصل إلى القمة، ومامن شك في أنّ العارف بالحضارات الأولى يرتب خطواته ويبتعد عن النّشاز ليحتفظ بما عاش له الأجداد والآباء، ومامن شك أيضا في أنّ كلّ أمّة لها عادات وتقاليد وتراث تزخر به ويميّزها عن البقية، وإن تحدثنا عن التراث فالحديث يأخذنا إلى كنوز ثقافية وجمال فيّاض بروحه المتفتحة، وبزخم حضوره وألق محتواه في كلّ مجال، لم يحافظ عليه الأجداد عبثا فهو القيمة التي تميز بلدا عن بلد، فكيف نتعامل معه وماهي سبل ترسيخه في الأبناء؟.

 

العلاقة بين التراث والهوية والتنشئة

العلاقة بين التراث والهويّة والتنشئة علاقة تكاملية؛ فالتراث هو “المورد” الذي تستمد منه الهوية مادتها الخام، والتنشئة هي “السبيل والطريق” التي تنقل هذه الموارد والموروثات من جيل إلى آخر لضمان الاستمرارية والحضور القوي والمساهمة في التأسيس الحضاري.

 

أهمية الوعي بالتراث

ومعرفة العلاقة بين التراث والتنشئة والهوية المعرفة الصحيحة الواعية، كفيل بأن يغيّر النظرة للمساهمة بكل فخر واعتزاز بمشاريع تخدمها وترفع من سقف عطائها الإيجابي، وللحفاظ على التراث لابد من معرفته وتحديد معالمه وإعداد الخطط لجعله صوتا قويا فاعلا ومؤثّرا لا صدى يتأثر ويكرر الأصوات.

 

مفهوم التراث وأشكاله

التراث ليس مجرد “ماضٍ” أكل الدهر عليه وشرب، بل هو كل ما تراكم من قيم و عادات، فنون و لغة، ومعارف عبر العصور، قد يكون تراثا ماديا مثل الآثار، العمارة، والملابس التقليدية وقد يكون تراثا معنويا مثل الأمثال الشعبية، القيم الأخلاقية، الحكايات، وغيرها من البصمات التي تميّز الحياة الاجتماعية.

 

دور التراث في توجيه السلوك

إن التراث له أهمية كبيرة تظهر معالمها عندما يوفّر للجماعة ” المسارات والتوجّهات والاتّجاهات” التي تحدّد سلوكهم وتمنحهم التّميز عن غيرهم.

 

الهوية والارتباط بالتراث

وإذا لامسنا أغوار الهوية فهي الوعي بالذات والانتماء، يشترك من خلالها أفراد جمعتهم رقعة جغرافية واحدة، واشتركوا في سمات ثقافية وتاريخية واحدة. ولذلك يمكن القول أن الهوية لا تبنى من فراغ بل تستلهم وتتشبع من العمق التراثي، أصيلة وراسخة ذات أثر، يؤثر ولا يتأثر عندما تحفظ جوهرها مع تفتحها على العصر، لا تنطوي وتنعزل ويأسرها الماضي، بل ديدنها أن تغرف منه لتنطلق بكل قوة نحو الآفاق الفسيحة، وقد قيل :” الجديد حبّو والقديم لا تفرط فيه ”

 

ضرورة الحفاظ على التراث

إذا سلمنا بضرورة حضور الهوية بزخم تراث الشعوب المتتالية، فالحفاظ عليها من الاندثار يتطلب وعيا وتنشئة ونقلا متواترا، يهندس لصناعة الإنسان قبل البنيان، يبني فيه الذكاءات ويطور مهاراته الحياتية، اجتماعيا وتربويا ويُحوّل التراث من مكثٍ في الكتب والمتاحف إلى سلوك وقناعات تؤسِّس في الأجيال عمارة الوجدان كي تحافظ على المكتسبات وتوفر لها الأمان من كل دخيل يريد بعثرة الفسيفساء وخربشة الألوان الزّاهية.

 

دور الفاعلين في إحياء التراث

على الفاعلين في الميدان من مربين وفنانين ومؤلّفين ، على مستوى الأسر أو المدارس او الفضاءات النشطة، على الجميع أن يعيدوا لروض التراث الوطني وهجه كي يشرق على بقية الأمم، إذ الكل يشهد ويعترف بالثراء الذي يزخر به وطننا الحبيب من صحراء وجبال، من تلال وسهول وكل شبر حمل أثرا تركه رجل خلّده فعله وزها به زمنه ووطنه.

 

دور الأسرة والمدرسة

البداية من الأسرة باعتبارها الحاضنة الأولى التي يكتسب فيها الطفل لغته الأم، ويتشبع بين أحضانها بالقيم والعادات الأولى، ثم تأتي بعدها المدرسة من خلال المناهج التعليمية وتركيزها على التاريخ و الأدب و التربية الوطنية التي تعزز الافتخار بالانتماء.

 

دور المؤسسات والإعلام

وأيضا المؤسسات الثقافية والإعلام والمنصات عبر تقديم محتوى يربط الشباب بجذورهم، لكن بطريقة عصرية جذابة، وهذا هو التحدي في ظل العولمة وتسارع بهرجة ألوانها وتنوع مشاربها، وأخطار محدقة بروادها إن غاب عنهم الترياق وضاعت الأخلاق.

 

التجديد ومواكبة العصر

من أجل أسفار دنيوية آمنة وتراث يحكي عن أنفاسه، ويُبلّغ للقاصي والدّاني روعات رسائله، لا بد من التجديد بمواكبة العصرنة و بتقديم التراث من خلال نوافذ تناسب لغة العصر وتُستعمل فيها التكنولوجيا والفنون الرقمية.

 

النقد البناء في التعامل مع التراث

وأيضا التنشئة على النقد البناء الذي يدفع إلى التمسك بالقيم الإيجابية البانية والمحافظة على روح التراث وفي نفس الوقت تترك وتبتعد عن البصمات الغريبة التي لا تتناسب مع العقل والعلم.

 

إدماج الناشئة في مشاريع التراث

التنشئة على التراث تستدعي من الجميع إدماج الناشئين في مشاريع ميدانية، وهي ليست دعوة للعيش في الماضي والتغني به دون الخطو إلى الأمام، بل هي تمكين ووقوف على أرض صلبة أساسها ورأس مالها هوية ينطلق منها أولو الألباب من الشباب بكل ثقة نحو المستقبل.

 

التراث بين الماضي والحاضر والمستقبل

أمجاد الماضي وتحدّيات الحاضر وطموحات المستقبل هي “الروح” التي تمنح المجتمع خصوصيته، تجري فيه مجرى الدم في العروق ولاتحكمها المناسباتية فقط بل تعيش معه وفيّه.

 

أنواع التراث

حصيلة ماتركته الأجيال السابقة من نتاج مادي وفكري وقيمي تفرّع إلى قسمين: التراث المادي كالمباني التاريخية والآثار ، والفنون التشكيلية والحليّ والألبسة التقليدية، و التراث غير المادي، من لغة وحكايات شعبية، وقيم وتقاليد، ومهارات وطقوس اجتماعية.

 

آليات حماية التراث

هي كلها من التراث الواجب الوقوف عنده وتحليل المحتوى وتحديد سبل المحافظة عليه، وما نراه من الضروريات هو أن تحافظ الأجيال عليه من الاندثار والتشويه، والعمل ضمن مؤسسات وجمعيات للإحصاء والتفقد والمعاينة وتحديد مايجب القيام به، كالترميم والتوثيق الرقمي باستخدام التكنولوجيا الحديثة لتسوية المعالم الأثرية، وأرشفة المخطوطات والحكايات الشعبية رقمياً لضمان عدم ضياعها.

 

القوانين والاستثمار السياحي

كما يجب حمايتها بسنّ قوانين صارمة تمنع التّعدي على المواقع التراثية أو المتاجرة بالآثار، وحماية الملكية الفكرية للفنون الشعبية، كما يجب التنويه إلى أهمية الاستثمار السياحي الواعي، بتحويل المناطق التراثية إلى فضاءات ثقافية قد تجلب المهتمين من كل البلدان ومن خلالها يتم التأثير بعرض مكتسباتنا وتقاليدنا مع واجب الحفاظ طبعا على عناصر هويتنا تجنّبا للتقليد والانصهار في ثقافات الآخرين.

 

دور البرامج والمبادرات

لايتم ذلك بالشكل الجيد إلا إذا تجند الجميع، وعملوا ضمن مقاربات وبرامج في كل قطاع على الاهتمام والتبليغ والتنشئة. سعي الجميع من أجل أن يظلّ التراث حياً، يتطلب تكاتف الجهود، بوضع خطط ومشاريع يتم رعايتها ومتابعتها ومواكبة العصرنة فيها، وقد تساهم البرامج التعليمية في تدعيم هذا المنحى بإدراج قصص البطولات الشعبية والتاريخ المحلي بطريقة مشوقة، إضافة إلى تنظيم رحلات مدرسية دورية للمواقع الأثرية والمتاحف، واهم اقتراح يواكب جيل الرقمنة والهواتف الذكية، إنتاج ألعاب فيديو أو أفلام مستوحاة من التاريخ المحلي، واستغلال الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الهادف والمشوق الذي يشد الأطفال ويزودهم بمختلف أنواع التراث الذي تزخر به بلدنا الجزائر، ومن المحاسن أيضا إقامة مراكز لتدريب الشباب على الحرف اليدوية الموروثة ودمجها في تصاميم عصرية.

كل ما تم ذكره يحتاج إلى لمسات الأسرة في الحفاظ على التراث الوطني والتمسك بالقيم والأخلاق حتى لاتذوب الأجيال في محاليل الأمم الأخرى، والتراث إذا لم يتجدد سيتجمد، وإذا لم يُنقل للأجيال سيندثر، ولهذا في مرافقتنا للأجيال الصاعدة علينا ان نغير من تعاملنا مع التراث، ففي زمن الهواتف الذكية والتسارع المحموم وكثرة المشتتات علينا أن نجعل التعامل مع التراث نمط حياة متجدد، لاقطعة أثرية نتفرج عليها من وراء زجاج في عجالة لننساها وننسى مراميها وأبطالها، إننا في زمن المشاريع والتأسيس الميداني، فلنكن أهل عزم نسير بالأجيال نحو خطوط أفق التميز المشرقة.

 

للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا 

للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا 

للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا 

للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا 

للمزيد من فيديوهات media maghreb  بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا 

للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا 

Share this content:

إرسال التعليق