الجزائر تعتمد خطة إدارة الأخطار الكبرى حتى 2035
في خطوة تعكس توجه الدولة الجزائرية نحو تعزيز منظومة الوقاية وتحقق كفاءة إدارة الأخطار الكبرى والتعامل الفعّال مع الكوارث، ترأس الوزير الأول السيد سيفي غريب، اليوم السبت 7 مارس 2026، اجتماعًا لمجلس وزاري مشترك خُصص لعرض ومناقشة الاستراتيجية الوطنية لإدارة الأخطار الكبرى للفترة الممتدة إلى غاية سنة 2035.
ويأتي هذا الاجتماع في إطار تنفيذ توجيهات رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون الرامية إلى تطوير آليات الدولة في مجال إدارة المخاطر والكوارث، وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية على الاستجابة السريعة والفعالة للأزمات الطبيعية أو الصناعية أو الصحية، بما ينسجم مع المعايير الدولية المعتمدة في هذا المجال.
وتعد هذه الاستراتيجية، التي أعدها فريق من الخبراء الوطنيين، إحدى الركائز الأساسية لتطوير المنظومة الوطنية للوقاية من الكوارث والتقليل من آثارها السلبية، حيث تعتمد على خطط عمل سنوية محددة الأهداف مع توزيع واضح لمسؤوليات مختلف القطاعات الحكومية المعنية.

استراتيجية وطنية مبنية على المعايير الدولية
تشير المعطيات المتداولة في الصحافة الجزائرية إلى أن هذه الاستراتيجية تأتي في إطار اعتماد الجزائر لمبادئ إطار عمل سينداي للحد من مخاطر الكوارث (Sendai Framework)، وهو المرجع الدولي الذي اعتمدته الأمم المتحدة منذ عام 2015 للحد من الخسائر البشرية والاقتصادية الناتجة عن الكوارث.
ويعد إطار سينداي أحد أهم الأطر العالمية التي تهدف إلى دعم الدول في وضع سياسات استباقية للتقليل من المخاطر وتعزيز قدراتها على التكيف مع الكوارث الطبيعية والبيئية. وقد أكدت عدة تقارير دولية أن تبني الدول لهذا الإطار يسهم بشكل كبير في تقليل حجم الخسائر الاقتصادية والإنسانية الناتجة عن الكوارث.
وفي هذا السياق، ركز الاجتماع الوزاري المشترك على سبل مواءمة السياسات الوطنية الجزائرية مع هذا الإطار الدولي، بما يضمن الاستفادة من التجارب العالمية في مجال إدارة المخاطر والكوارث.
دور الخبرة الوطنية في إعداد الاستراتيجية
أوضحت التقارير الإعلامية أن إعداد الاستراتيجية الوطنية لإدارة الأخطار الكبرى تم من قبل خبراء جزائريين متخصصين في مجالات متعددة تشمل الأمن المدني والتخطيط الحضري والبيئة وإدارة الأزمات.
ويعكس هذا التوجه اعتماد الجزائر بشكل متزايد على الكفاءات الوطنية في صياغة السياسات الاستراتيجية الكبرى، خاصة في المجالات المرتبطة بالأمن الوطني والتنمية المستدامة.
كما اعتمدت هذه الاستراتيجية على تحليل علمي شامل للمخاطر المحتملة التي قد تواجه البلاد خلال السنوات المقبلة، سواء كانت مخاطر طبيعية مثل الزلازل والفيضانات والحرائق، أو مخاطر صناعية وتكنولوجية أو حتى صحية وبيئية.
تعزيز المنظومة الوطنية للوقاية من الكوارث
تشكل هذه الاستراتيجية كذلك امتدادًا للقانون الجديد الخاص بالوقاية من أخطار الكوارث والتدخل للحد من آثارها في إطار التنمية المستدامة، والذي صدر في الجزائر عام 2024.
ويهدف هذا القانون إلى وضع إطار تشريعي حديث لتنظيم عمليات الوقاية والاستجابة للكوارث، بما يضمن تنسيق الجهود بين مختلف القطاعات الحكومية والهيئات المحلية.
ووفق ما نقلته وسائل إعلام جزائرية مثل وكالة الأنباء الجزائرية (APS) وصحيفة الشروق وموقع النهار أونلاين، فإن الاستراتيجية الجديدة ستعتمد على منظومة متكاملة تشمل:
- تحسين أنظمة الإنذار المبكر.
- تعزيز قدرات الحماية المدنية.
- تطوير آليات التنسيق بين مختلف القطاعات.
- دعم البحث العلمي في مجال إدارة المخاطر.
- تعزيز ثقافة الوقاية لدى المواطنين.
ويُنتظر أن تسهم هذه الإجراءات في تقليل حجم الخسائر البشرية والمادية الناتجة عن الكوارث المحتملة.
خطط عمل سنوية بأهداف واضحة
أحد أبرز عناصر هذه الاستراتيجية يتمثل في اعتماد مخططات عمل سنوية مصحوبة بأهداف دقيقة ومؤشرات لقياس الأداء، وهو ما يسمح بمتابعة تنفيذ الاستراتيجية بشكل دوري.
كما تم تحديد مسؤوليات كل قطاع حكومي في تنفيذ هذه الخطط، وهو ما يعزز مبدأ الحوكمة والتنسيق بين المؤسسات المختلفة.
ويرى خبراء في مجال إدارة المخاطر أن هذه المقاربة تمثل تحولًا مهمًا في طريقة إدارة الأزمات في الجزائر، حيث يتم الانتقال من أسلوب الاستجابة بعد وقوع الكارثة إلى أسلوب الوقاية والاستعداد المسبق.
أهمية الاستراتيجية للاقتصاد والاستثمار
لا تقتصر أهمية الاستراتيجية الوطنية لإدارة الأخطار الكبرى على الجوانب الأمنية والإنسانية فقط، بل تمتد كذلك إلى المجال الاقتصادي والاستثماري.
فوجود منظومة فعالة لإدارة المخاطر يعد أحد العوامل الأساسية التي ينظر إليها المستثمرون عند تقييم بيئة الاستثمار في أي دولة.
وتشير تقارير صادرة عن مؤسسات دولية مثل البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث إلى أن الدول التي تمتلك أنظمة متطورة لإدارة المخاطر تكون أكثر قدرة على حماية استثماراتها وبنيتها التحتية الحيوية.
ومن هذا المنطلق، فإن تطوير هذه المنظومة في الجزائر قد يسهم في تعزيز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين في الاقتصاد الوطني.
رفع القدرات الوطنية في مواجهة الكوارث
تهدف الاستراتيجية الجديدة بشكل أساسي إلى رفع مستوى القدرات الوطنية في مواجهة مختلف المخاطر، سواء من حيث الجاهزية المؤسساتية أو الإمكانات التقنية والبشرية.
كما تسعى إلى تحسين سرعة الاستجابة للأزمات وضمان التكفل الفعّال بآثارها، وهو ما يتطلب تعزيز التنسيق بين مختلف المؤسسات والهيئات المعنية.
وفي هذا الإطار، من المتوقع أن تشمل الاستراتيجية برامج تدريب وتأهيل للكوادر الوطنية في مجالات إدارة الأزمات والكوارث، إضافة إلى تطوير البنية التحتية المرتبطة بالإنذار المبكر ومراكز إدارة الطوارئ.
خاتمة: رؤية استباقية نحو جزائر أكثر أمانًا
تمثل الاستراتيجية الوطنية لإدارة الأخطار الكبرى حتى سنة 2035 خطوة استراتيجية جديدة في مسار تحديث منظومة الحوكمة وإدارة الأزمات في الجزائر.
فمن خلال اعتماد مقاربة علمية تستند إلى الخبرة الوطنية والمعايير الدولية، تسعى الدولة الجزائرية إلى بناء منظومة متكاملة للوقاية من الكوارث والحد من آثارها.
وتعكس هذه الخطوة إدراكًا متزايدًا لأهمية الاستعداد المسبق لمواجهة التحديات المستقبلية، خاصة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة والتطورات الاقتصادية والتكنولوجية التي قد تزيد من تعقيد المخاطر.
ومع بدء تنفيذ هذه الاستراتيجية خلال السنوات القادمة، يتوقع أن تشهد الجزائر تطورًا ملحوظًا في قدراتها على إدارة الأزمات وحماية الأرواح والممتلكات، بما يعزز مسار التنمية المستدامة ويضمن بيئة أكثر أمانًا واستقرارًا للمواطنين والمؤسسات على حد سواء.
Share this content:



إرسال التعليق