الامتحانات الرسمية

الخبر العاجل ومسؤولية النّاقل

بقلم احمد الجعدي
الأخبار في عصر الوسائط الرقمية: بين الحقيقة والتضليل

تنتشر الأخبار عبر منصات التواصل الاجتماعي  انتشار النار في الهشيم، وبين المصادر الموثوقة والأخبار العاجلة قصص قد ترويها الروائع كما قد تحمل في طياتها الفواجع،  ولذلك فقد أصبح مفهوم الخبر يواجه تحدّيات كبيرة، وبين الزمن الماضي والزمن الحاليّ فارق يكمن في دخول المنصّات الرّقمية لاعبا أساسيّا ضخّ هرمون السعادة وحقنه في معظم العقول من أجل تحقيق أعلى معدلات للمشاهدة، وأمام الزّخم الكبير والتّسارع المحموم  وهوس الجمهور إلى اكتشاف الحقيقة أدخلهم إلى دهاليز، تلاشى فيها  التّمحيص والتّحقيق وسهُل  منفذ الشائعات إلى الذّاكرة القريبة والبعيدة واستوطن بعدها التّصديق.

مفهوم الخبر بين الماضي والحاضر

يجدر بروّاد المواقع والباحثين عن الأخبار أن يدركوا أولا المفهوم الحقيقي للخبر، فإذا  كان مفهومه سابقا يدلّ على تقرير عن حدث حاليّ واقعي ومهمّ تنتظره شرائح كبيرة من المجتمع، ففي ظلّ الوسائط الحديثة هو ضوضاء رقميّة  اكتسحت السّاحات وتوسّعت تخوض في كلّ المجالات، من ثقاة لهم أنبل الغايات ومن أناس لا اختصاص لهم فقط يتجوّلون  و يُبحرون بلا رقيب بين الشاشات.

خصائص الخبر المسؤول

يخضع الخبر في الأصل إلى الواقعيّة والموضوعيّة والحياد، وأن يكون مرتبطا بالوقت الحاليّ لأنّ الأخبار الّتي تمّ تداولها ويُعاد نشرها مرارا تفقد قيمتها وتتحوّل بذلك  إلى معول للتّشويش والتّضليل، ومن الأهمية بمكان أن ندرك الفارق. ويبقى الخبر الذي يراعي ويعمل من أجل المصلحة العامة والبناء ورصّ الصفوف ونشر الخير محمود ومطلوب، أما الأخبار التي يبحث أصحابها عن الإثارة المذمومة ولاتنظر إلى الأثر والنّتائج فأصحابها يحتاجون إلى ضمير وعقل وقلب تحت رعاية قيم وفضائل.

التحديات الرقمية بين التسرع في نشر الأخبار والذكاء الاصطناعي

تُعدّ الأخبار في العصر الرّقميّ عسكرا يهجم على العقول البشريّة بكمّ هائل من المحتويات، وبين الموجود و كثرة السوائل تنوّعت تصنيفاتها، إذ هناك الأخبار الحقيقية الصّادرة من منصات إعلاميّة موثوقة مدقّقة، وهناك الأخبار المزيّفة الّتي تتأرجح بين الخاطئ منها بحسن نيّة، والمضلّل الكاذب عن سبق إصرار وتعمّد لغايات شخصية مادية او سياسية، وهناك الأخطر من هذين التّصنيفين يقوم أصحاب هذا الصّنف  بنشر الأخبار الّتي تحمل السّم في العسل، هي حقيقيّة لكن تُسوّق ويُنفخ فيها بغرض إلحاق ضرر بأشخاص او جهات أو وطن.

وممّا تجدر الإشارة إليه في عصرنا هذا زحف الذّكاء الاصطناعي والتّحدّي المنتظر للتّصدي والتّنشئة على آليات الاستعمال الواعي والنّقد الرقمي، فالاستعمال العشوائي واستغلاله في أغراض دنيئة سيكون الحالقة الّتي تحلق الأخلاق وتطفئ الأضواء عن كلّ رواق. يكمن خطر الذكاء الاصطناعي في تلك الصور والفيديوهات والتسجيلات المفبركة وبدقّة عالية يصعب على مستخدمها العادي إدراك الحقيقة، خصوصا وأننا نعيش في بيئة رقمية شكّلت سيكولوجية مختلفة عنوانها السرعة والهروب إلى الأمام والتّصديق بدل التّحقيق.

تعمل الحسابات في عصرنا المتسارع على نشر الخبر فور وقوعه وقبل التّأكد منه، وكثيرا ما يعجب المعجبون ويعلّق المعلّقون ويعزّي المعزّون وبعدها يكتشف الجميع أنّهم مخطئون وما أكثر الضّحايا في عالم لا يعرف الرّويّة والسّكون، وأغلب المتسرّعين كبّلهم  الانحياز لفكرة أو لتملّق او بسبب نظرة قاصرة والعقل دوما يميل لتصديق الأخبار الّتي تتماشى مع تصوّراته السابقة ممّا يرفع من سقف التّصديق الأعمى للمنشورات المغلوطة.

كيف نواجه الأخبار الزائفة؟

نتساءل جميعا في ظلّ القلق من قادم سيأتي على أساسات المجتمعات ويضرب أعمدة مقوّماتها المجتمعية فنقول:  كيف السّبيل وما العمل للوقوف سدّا منيعا امام الأخبار الزائفة؟

يُنصح بنشر الثقافة الإعلامية الرقمية الّتي تحدّد لصانع المحتوى او المستهلك لها أن ينظر ويتابع الخبر بتحفّظ، ويعمل بقاعدة التّساؤل الأوّلي قبل التّصديق ثمّ النّشر، لا بدّ من معرفة المصدر ومصداقيته ومن يسيّره، كما يجب الاطلاع أيضا على أخبار القنوات الرسمية أو الصحف العالمية المعلومة والمعروفة، إذا تداولت نفس الخبر، كما يجب على العاقل والرصين أن يقلّب ويتأمّل الصّور وخلفياتها لإدراك تاريخ نشرها فقد تكون صورا قديمة أُعيد تدويرها لغايات، ومن التوجيهات الهامة الّتي لا بد من الأخذ بها، التريّث والتمحيص قبل الضغط على منشور إعجابا ومشاركة، لأنّ المسؤولية الأخلاقية والقانونيّة واجب على كلّ متابع ومستخدم لهذه الفضاءات الرّقمية.

تحوّلت الأخبار في زمن الوسائط الرقمية إلى أداة لتوجيه شعوب المعمورة و إلى شبكات علِق فيها الوعي،   هي معارك الأخبار المتناطحة، تشهدها اللحظات، وبين التّسارع والتّصديق تنادي الأمانة والمسؤولية بشعار ” نشر الحقيقة في بضع دقائق أسلم وأحسن من نشر كذبة سيدوم أثرها لسنوات وقد تعاني منها مجتمعات.”

Share this content:

إرسال التعليق

لا يفوتك أيضا