المياه تعيد رسم خريطة التعاون بين المغرب العربي والساحل الإفريقي في منتدى روما 2026
في لحظة تتزايد فيها أهمية المياه باعتبارها عنصراً أساسياً في الاستقرار والتنمية والأمن الغذائي، تستضيف العاصمة الإيطالية روما فعاليات المنتدى الأورومتوسطي للمياه 2026 خلال الفترة من 29 سبتمبر إلى 2 أكتوبر، في منصة تتجاوز النقاش التقليدي حول إدارة الموارد المائية لتبحث مستقبل العلاقة بين المياه والمناخ والطاقة والغذاء والاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا.
ويكتسب المنتدى أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب العربي والساحل الإفريقي وإفريقيا بصورة عامة، ليس فقط بسبب طبيعة التحديات المناخية والهيدرولوجية التي تواجهها هذه المناطق، ولكن أيضاً لأن البرنامج المطروح في روما يوسّع نطاق الحوار المائي باتجاه إفريقيا جنوب الصحراء، ويضع التعاون الإقليمي وإدارة الموارد العابرة للحدود والتمويل والتكنولوجيا ضمن محاور أساسية للنقاش.
ولا تأتي أهمية هذا الموعد من كونه تجمعاً فنياً متخصصاً فحسب، وإنما من طبيعة الأطراف المشاركة فيه، إذ يجمع صانعي السياسات والمؤسسات الدولية والجامعات ومراكز البحث والشركات والخبراء والمجتمع المدني، في محاولة للانتقال من تشخيص أزمة المياه إلى البحث عن آليات عملية لإدارة الموارد وحمايتها وتمويل المشاريع المرتبطة بها. وهي مقاربة تهم المغرب العربي والساحل الإفريقي بصورة مباشرة، حيث تتقاطع قضايا المياه مع الزراعة والطاقة والصحة والأمن الغذائي والتنمية الحضرية والقدرة على التكيف مع تغير المناخ.
حضور مغاربي يبرز خصوصية التجربة التونسية
وتبرز تونس في أعمال المنتدى من خلال حضور رسمي وفني واضح، إذ يشارك وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عز الدين بن الشيخ ضمن المتحدثين رفيعي المستوى، بينما يشارك وفد من الوزارة وممثلون عن الوكالة الألمانية للتعاون الدولي في عدد من الجلسات المتخصصة، بما يعكس حضور الخبرة المغاربية في النقاشات المرتبطة بإدارة الموارد المائية والتكيف مع الضغوط المناخية.
ويحمل الحضور التونسي بعداً مهماً بالنسبة إلى المغرب العربي، بالنظر إلى تركيز إحدى الجلسات التي شارك فيها الوفد التونسي على حوكمة المياه الجوفية، والرصد الهيدروجيولوجي، والتخطيط الرقمي ومراقبة استغلال الموارد الجوفية. وهي موضوعات تتجاوز الحدود الوطنية، لأن المياه الجوفية في البيئات الجافة وشبه الجافة تمثل جزءاً أساسياً من معادلة الأمن المائي، وتحتاج إلى معرفة دقيقة بالمخزون ومعدلات الاستغلال وقدرة الأنظمة الطبيعية على التجدد.
من المغرب العربي إلى الساحل الإفريقي.. المياه قضية عابرة للحدود
اللافت في منتدى روما أن المياه لم تُطرح باعتبارها ملفاً منفصلاً عن بقية ملفات التنمية، بل باعتبارها قضية عابرة للقطاعات والحدود. فالبرنامج يتضمن جلسات حول الأحواض المائية العابرة للحدود، والمياه الجوفية، وإعادة استخدام المياه، وتحلية المياه، وإدارة المخاطر، والربط بين المياه والطاقة والغذاء والنظم البيئية، وهي موضوعات تمس بصورة مباشرة طبيعة التحديات التي تواجه المغرب العربي والساحل الإفريقي.
وفي منطقة الساحل الإفريقي تحديداً، تكتسب فكرة الإدارة المشتركة للمياه أهمية إضافية، لأن الموارد المائية لا تتوقف عند الحدود السياسية، بينما ترتبط الأحواض والأنهار والمياه الجوفية بأنظمة طبيعية مشتركة. ومن هنا تأتي أهمية حضور المؤسسات الإقليمية التي تعمل على إدارة المعرفة المائية وتعزيز الحوار بين الدول، وهو ما ظهر في مشاركة مرصد الصحراء والساحل في المنتدى، حيث ركزت مساهمته على المياه العابرة للحدود وتبادل البيانات وبناء آليات للتشاور والثقة بين الدول.
مرصد الصحراء والساحل يربط روما باحتياجات إفريقيا
وتحمل مشاركة مرصد الصحراء والساحل دلالة خاصة بالنسبة إلى إفريقيا والساحل الإفريقي، لأن المؤسسة الإقليمية تضع المعرفة المشتركة في مقدمة أدوات إدارة المياه العابرة للحدود. فالمقاربة المطروحة في روما تقوم على أن إدارة مورد مشترك تبدأ من بناء قاعدة مشتركة من المعلومات، ثم تطوير الحوار بين الدول، وإيجاد آليات للتنسيق، قبل الانتقال إلى القرارات والاستثمارات والمشروعات المشتركة.
وهذه الرؤية تتقاطع مع واقع الساحل الإفريقي الذي يحتاج إلى تعزيز القدرات العلمية والمؤسسية في مراقبة الموارد المائية، وتحسين تبادل البيانات، وتطوير أدوات الإنذار المبكر، وربط التخطيط المائي بالزراعة والطاقة والبيئة. كما أنها تفتح مجالاً أمام إفريقيا للاستفادة من الخبرات المتراكمة في الفضاء المتوسطي، ليس من خلال نقل نماذج جاهزة، وإنما عبر تطوير حلول تتلاءم مع طبيعة الأحواض والأنظمة البيئية والاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية لكل منطقة.
المياه الجوفية.. ملف استراتيجي للمغرب العربي والساحل
وتبرز المياه الجوفية كأحد أكثر الملفات حساسية في المغرب العربي والساحل الإفريقي، وهو ما انعكس بوضوح في البرنامج العلمي للمنتدى. فقد خصصت إحدى الورشات لمناقشة بناء حوكمة مرنة ومبتكرة للمياه الجوفية في المتوسط، مع التركيز على الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى سياسات استباقية تقوم على حماية الخزانات ومراقبتها وتحسين المعرفة بها.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في الساحل الإفريقي، حيث لا يمكن التعامل مع المياه باعتبارها مجرد مورد للاستهلاك اليومي، بل باعتبارها أساساً لاستمرار النشاط الزراعي والرعوي واستقرار المجتمعات وتطوير الاقتصاد المحلي. وفي المغرب العربي أيضاً تتزايد الحاجة إلى أنظمة أكثر دقة لمراقبة المياه الجوفية، خصوصاً مع تداخل الطلب الحضري والزراعي والصناعي مع الضغوط المناخية. ولذلك فإن الجمع بين الرصد العلمي والرقمنة والحوكمة يمثل أحد المسارات التي يمكن أن تعيد تشكيل إدارة المياه في المنطقة.
تونس تقدم نموذجاً في الرقمنة وحوكمة الموارد
ومن بين العناصر التي تستحق المتابعة في المشاركة المغاربية تجربة تونس في استخدام أدوات الرصد الهيدروجيولوجي والتخطيط الرقمي ومراقبة استغلال المياه الجوفية. فالحضور التونسي في روما لم يقتصر على عرض التحديات، وإنما تضمن مناقشة أدوات عملية لتحسين المعرفة بالمورد وتعزيز الإدارة المستدامة له وتبادل الخبرات مع الأطراف المشاركة.
وتفتح هذه التجربة نقاشاً أوسع حول مستقبل المغرب العربي في مجال رقمنة المياه، خصوصاً أن التقنيات الرقمية يمكن أن تساعد في جمع البيانات من الشبكات والآبار ومحطات القياس، وتحليلها بصورة أسرع، وتحديد مناطق الضغط على الموارد، وتحسين عمليات التخطيط واتخاذ القرار. وفي إفريقيا، يمكن أن تصبح الرقمنة أداة لتعويض بعض فجوات البيانات التي تعيق التخطيط، إذا اقترنت ببناء المؤسسات وتطوير الكفاءات المحلية وتوفير آليات لتبادل المعلومات بين الدول.
المياه العابرة للحدود.. من التحدي إلى الدبلوماسية المائية
من أبرز الملفات التي أعاد المنتدى وضعها في الواجهة مفهوم الدبلوماسية المائية، خاصة أن المياه العابرة للحدود تمثل مجالاً يمكن أن يدفع الدول إلى التعاون عندما تتشارك الأحواض والأنهار والمياه الجوفية. وقد خصص المنتدى جلسات تبحث في إدارة الموارد المشتركة، ودور الحوار والحوكمة والتمويل في بناء أنظمة أكثر استدامة وقدرة على مواجهة تغير المناخ.
وتتجاوز أهمية هذا المسار حدود المغرب العربي، لتصل إلى الساحل الإفريقي ومختلف مناطق إفريقيا التي تعتمد على موارد مائية مشتركة. فالتعامل مع المياه من خلال الدبلوماسية لا يعني فقط تسوية الخلافات، وإنما يشمل بناء قواعد لتبادل البيانات، وتنسيق الاستثمارات، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وحماية الأحواض، وربط المشاريع المائية بالتنمية المحلية والإقليمية.
من ندرة المياه إلى البحث عن موارد جديدة
ويطرح المنتدى أيضاً مسألة الموارد المائية غير التقليدية باعتبارها جزءاً من الحلول المستقبلية، وفي مقدمتها تحلية مياه البحر وإعادة استخدام المياه المعالجة وتحسين كفاءة الشبكات وحماية المياه الجوفية. وهذه الملفات تحظى بأهمية متزايدة في المغرب العربي، كما تكتسب قيمة استراتيجية في أجزاء واسعة من الساحل الإفريقي حيث تتقاطع الحاجة إلى المياه مع تحديات الزراعة والصحة والتنمية الاقتصادية.
ولا تبدو هذه الحلول منفصلة عن التحول في مفهوم الأمن المائي؛ فالمطلوب لم يعد مجرد زيادة كميات المياه المتاحة، وإنما بناء منظومات قادرة على تقليل الفاقد، وإعادة استخدام الموارد، وتنويع مصادر الإمداد، وتحسين كفاءة الاستهلاك، وحماية النظم البيئية التي تعتمد عليها المجتمعات. وهذا التحول يضع التكنولوجيا والابتكار في قلب مستقبل إدارة المياه في إفريقيا والمغرب العربي والساحل الإفريقي.
المياه والطاقة والغذاء.. معادلة واحدة في إفريقيا
ويبرز كذلك نهج ترابط المياه والطاقة والغذاء والنظم البيئية كأحد المحاور المهمة في المنتدى، وهو نهج يكتسب أهمية خاصة في إفريقيا، حيث ترتبط الزراعة بإمدادات المياه والطاقة، بينما تتأثر النظم البيئية بطرق استخدام الموارد الطبيعية. وفي هذا الإطار، يصبح التخطيط المائي جزءاً من التخطيط الاقتصادي وليس مجرد ملف بيئي أو خدمي.
وتتضح أهمية هذا الترابط بصورة أكبر في الساحل الإفريقي، حيث تعتمد قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي على الظروف المناخية والموارد الطبيعية. ومن ثم فإن تطوير مشروعات المياه يجب أن يراعي أثرها على الزراعة والطاقة والأمن الغذائي والبيئة، بينما يتعين أن تأخذ مشروعات الطاقة والغذاء في الاعتبار استدامة الموارد المائية. وهذه الرؤية المتكاملة تمثل أحد المسارات التي يمكن أن تعزز قدرة دول إفريقيا على مواجهة الضغوط المتزايدة على الموارد.
إفريقيا في قلب التحول نحو اقتصاد مائي جديد
وتشير أجندة المنتدى إلى تحول واضح من النظر إلى المياه باعتبارها قطاعاً خدمياً إلى التعامل معها باعتبارها عنصراً من عناصر الاقتصاد والاستثمار والأمن والتنمية. فالمنتدى يبحث تمويل البنية التحتية المائية، ودور المؤسسات المالية، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب الابتكار والتكنولوجيا، بما يفتح المجال أمام مقاربة اقتصادية جديدة للمياه.
وهذه المقاربة مهمة بالنسبة إلى إفريقيا، حيث لا تكفي السياسات وحدها لتطوير منظومات المياه ما لم تتوافر القدرة على تحويل الأولويات إلى مشاريع قابلة للتمويل والتنفيذ. ومن هنا تكتسب المبادرات التي تستهدف بناء مشروعات مائية قابلة للتمويل أهمية خاصة بالنسبة إلى الساحل الإفريقي والمغرب العربي، خصوصاً عندما تقترن بالتعاون الفني وبناء القدرات ونقل المعرفة والتكنولوجيا.
مبادرة روما للمياه تفتح مساراً عملياً
وفي السياق ذاته، شهدت اجتماعات الاتحاد من أجل المتوسط في روما إطلاق مبادرة روما للمياه، التي تستهدف تحويل الأهداف السياسية المتعلقة بالمياه إلى مسارات عملية ومشروعات قابلة للتمويل، مع التركيز على بناء القدرة على الصمود وتعزيز التعاون الإقليمي. كما تم اعتماد توجهات للتعاون حتى عام 2030، وربط الأجندة المائية بالعمل المناخي والتنمية المستدامة.
وتكتسب المبادرة أهمية محتملة بالنسبة إلى المغرب العربي والساحل الإفريقي إذا ما تحولت إلى آليات فعلية لدعم المشروعات، خصوصاً في مجالات تحسين شبكات المياه، وإعادة الاستخدام، وتحلية المياه، وحماية الأحواض الجوفية، والتعامل مع مخاطر الجفاف والفيضانات. وتكمن القيمة الأساسية هنا في الانتقال من مرحلة إعلان الأولويات إلى بناء مشروعات محددة يمكن تنفيذها وقياس نتائجها ومتابعة استدامتها.
الساحل الإفريقي حاضر في النقاش من بوابة السنغال
ولا يقتصر الحضور الإفريقي في المنتدى على منطقة المتوسط، إذ يظهر الساحل الإفريقي أيضاً في الجلسات الختامية من خلال مشاركة ممثل السنغال المكلف بملف مؤتمر الأمم المتحدة للمياه ضمن جلسة تربط بين رؤية خطة ماتي وتنفيذها، وهو ما يعكس اتساع النقاش من البحر المتوسط إلى فضاء إفريقي أوسع.
ويكتسب هذا الحضور أهمية في قراءة موقع الساحل الإفريقي داخل منظومة التعاون المائي الدولي، لأن القضايا التي تناقشها روما، من الدبلوماسية المائية إلى التمويل والموارد العابرة للحدود والتكيف المناخي، تتصل بصورة مباشرة باحتياجات المنطقة. كما أن ربط النقاش المائي بالتعاون التنموي يمكن أن يمنح إفريقيا مساحة أكبر في صياغة الحلول بدلاً من الاكتفاء بتلقي التقنيات أو التمويلات.
المغرب العربي والساحل أمام فرصة لتوسيع التعاون
وتكشف التحضيرات السابقة للمنتدى عن اهتمام واضح بتعزيز التعاون المائي في منطقة المغرب العربي، حيث شهد المسار التحضيري لقاءً إقليمياً في تونس ناقش تحديات المياه في المنطقة وفرص التعاون المرتبطة بالمبادرات الأوروبية والمتوسطية، وشارك فيه ممثلون من دول مغاربية، إلى جانب موريتانيا وليبيا. ويكشف ذلك أن النقاش حول المياه لم يعد محصوراً في المشروعات الوطنية، وإنما يتجه نحو بناء شبكة تعاون إقليمية أوسع.
ومن هذه الزاوية، تبدو العلاقة بين المغرب العربي والساحل الإفريقي ذات أهمية خاصة، لأن المجال الجغرافي الممتد من شمال إفريقيا إلى عمق الساحل يشترك في عدد من التحديات المتعلقة بالجفاف والتصحر وإدارة المياه الجوفية وتغير المناخ والتنمية الزراعية. ويمكن للتعاون العلمي وتبادل البيانات والخبرات أن يفتح مسارات جديدة أمام معالجة هذه الملفات بطريقة أكثر تكاملاً، خاصة عندما تدعمها المؤسسات الإقليمية والجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص.
الجزائر وإفريقيا في سياق أوسع للأمن المائي
وبالنسبة إلى الجزائر، فإن حضورها في الفضاء المتوسطي والإفريقي يجعل ملف المياه جزءاً من نقاش أوسع حول التنمية المستدامة والتكيف مع التغيرات المناخية وإدارة الموارد في المناطق الجافة وشبه الجافة. وحتى في ظل اختلاف التجارب الوطنية، فإن القضايا المطروحة في روما، مثل المياه الجوفية وإعادة الاستخدام والتحلية والرقمنة وحماية الموارد، تلامس تحديات مشتركة في المغرب العربي وإفريقيا.
وتوفر طبيعة المنتدى مساحة لتبادل الخبرات بين المؤسسات التي تعمل في بيئات مختلفة، بما يسمح بتطوير حلول تراعي الخصوصيات المحلية بدلاً من اعتماد نموذج واحد للجميع. وهذا الجانب مهم بالنسبة إلى إفريقيا، لأن نجاح أي سياسة مائية يتوقف على ملاءمتها للبيئة المحلية والقدرات المؤسسية والاقتصادية وطبيعة المجتمعات والأنشطة الزراعية والصناعية.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يدخلان معركة المياه
ومن الملفات اللافتة في المنتدى أيضاً رقمنة قطاع المياه ودور الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في تطوير إدارة الموارد. فالأجندة الإقليمية التي جرى اعتمادها تتضمن إطاراً استراتيجياً لرقمنة قطاع المياه، إلى جانب بناء القدرات في مجال المياه والذكاء الاصطناعي، بما يعكس انتقال إدارة الموارد المائية إلى مرحلة تعتمد بصورة أكبر على البيانات والتحليل الرقمي.
وهذا المسار يحمل فرصاً مهمة أمام المغرب العربي والساحل الإفريقي، خصوصاً في مجالات اكتشاف التسربات، ومراقبة الشبكات، وتوقع الطلب، ورصد تغيرات المياه الجوفية، وتحليل البيانات المناخية، ودعم القرارات الزراعية. لكن الاستفادة من التكنولوجيا تحتاج في الوقت نفسه إلى استثمارات في البنية الرقمية والكوادر البشرية ونظم البيانات، حتى لا تتحول الفجوة التكنولوجية إلى فجوة جديدة في القدرة على إدارة المياه.
من التعاون المتوسطي إلى شراكة أوسع مع إفريقيا
والرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من منتدى روما هي أن أمن المياه لم يعد قضية يمكن التعامل معها داخل الحدود الوطنية فقط. فالتغير المناخي يضغط على الموارد، والطلب يتغير، والمدن تتوسع، والزراعة تحتاج إلى مزيد من الكفاءة، بينما تفرض الأحواض المشتركة والمياه الجوفية العابرة للحدود مستويات أعلى من التنسيق. ولذلك يصبح التعاون بين المغرب العربي والساحل الإفريقي وإفريقيا جزءاً من الحل وليس مجرد خيار دبلوماسي.
ومن هنا، فإن أهمية المنتدى بالنسبة إلى المنطقة لا تقاس فقط بما دار داخل قاعات روما، وإنما بما يمكن أن ينتج عنه من شراكات في المعرفة والتكنولوجيا والتمويل والتدريب والمشروعات. فالتحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المؤتمرات، عندما تتحول التوصيات إلى سياسات وطنية، والمبادرات إلى مشروعات، والبيانات إلى قرارات، والتعاون السياسي إلى آليات دائمة لإدارة الموارد.
الأمن المائي.. عنوان جديد للتنمية في المنطقة
ومع اختتام أعمال المنتدى، تبدو صورة الأمن المائي أكثر ارتباطاً بمستقبل المغرب العربي والساحل الإفريقي وإفريقيا ككل. فالمياه تتقاطع مع الأمن الغذائي، والطاقة، والصحة، والاستقرار الحضري، وحماية البيئة، والاستثمار، وبالتالي فإن إدارة المياه لم تعد ملفاً قطاعياً محدوداً، بل أصبحت جزءاً من التخطيط الاستراتيجي للدول والمناطق.
وتكمن أهمية المسار الذي أطلقته روما في محاولة بناء جسور بين أوروبا والفضاء المتوسطي وإفريقيا، على أساس تبادل الخبرات والمعرفة والتكنولوجيا والتمويل، مع إعطاء مساحة أكبر للموارد العابرة للحدود والدبلوماسية المائية والرقمنة والابتكار. وبالنسبة إلى المغرب العربي والساحل الإفريقي، فإن هذه المقاربة تفتح مجالاً لتعزيز التعاون الإقليمي حول مورد لا يعترف بالحدود السياسية، ويظل في صميم مستقبل التنمية في إفريقيا.
وفي المحصلة، لا يقدم منتدى المياه الأورومتوسطي 2026 إجابة واحدة عن أزمة المياه، لكنه يضع مجموعة من المسارات أمام الدول والمؤسسات: إدارة أكثر تكاملاً، تعاون أكبر حول المياه العابرة للحدود، حماية المياه الجوفية، توسيع استخدام الموارد غير التقليدية، الاستثمار في البنية التحتية، تطوير الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وتحويل المياه إلى محور من محاور الشراكة الاقتصادية والتنموية. وهي مسارات سيكون لها وزن متزايد في رسم مستقبل المغرب العربي والساحل الإفريقي وإفريقيا خلال السنوات المقبلة.
للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا
للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا
للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا
للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا
للمزيد من فيديوهات media maghreb بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا
للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا
Share this content:



إرسال التعليق