حماية الحقوق والحريات

دستور 2020 يرسّخ ضوابط حماية الحقوق والحريات

شكّلت المبادئ الأساسية المتعلقة بتقييد الحقوق والحريات محورًا رئيسيًا في مداخلة وفد المحكمة الدستورية خلال أشغال الطبعة الرابعة عشرة من برنامج الجامعة الصيفية، المنعقدة بمدينة أنقرة في تركيا، حيث تناولت المداخلة الإطار الدستوري والقانوني المنظم للحقوق والحريات، والضمانات التي أقرها دستور سنة 2020 لحمايتها، إلى جانب الضوابط التي تحكم ممارستها والحالات التي يمكن فيها تقييدها.

وتناولت المداخلة طبيعة العلاقة بين توسيع دائرة الحقوق والحريات من جهة، وضرورة تنظيم ممارستها وفق قواعد دستورية وتشريعية واضحة من جهة أخرى، في إطار يقوم على حماية النظام العام والثوابت الوطنية وحقوق الآخرين، مع التأكيد على أهمية الرقابة القضائية والدستورية في ضمان احترام المبادئ التي أقرها الدستور.

دستور 2020 وتوسيع منظومة الحقوق

أبرز وفد المحكمة الدستورية أن دستور سنة 2020 يمثل محطة مهمة في مسار تعزيز دولة القانون، بالنظر إلى ما تضمنه من توسيع لمنظومة الحقوق والحريات، بما يشمل ما يعرف بـ«الأجيال الأربعة» لحقوق الإنسان.

وقد أُدرجت هذه الحقوق ضمن إطار دستوري واضح، مع توفير ضمانات قانونية ومؤسساتية لحمايتها، حيث خصص الدستور لها فصلًا مستقلًا، بما يعكس المكانة التي تحتلها الحقوق والحريات ضمن البناء الدستوري.

كما أكدت ديباجة الدستور الالتزام التام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان وبالمواثيق الدولية التي صادقت عليها الجزائر، وهو ما يضع منظومة الحقوق والحريات ضمن الإطار الدستوري والالتزامات الدولية للدولة.

ويعكس هذا التوجه أهمية جعل الحقوق والحريات جزءًا أساسيًا من دولة القانون، مع ربط ممارستها بضوابط تضمن التوفيق بين حماية الفرد والمصلحة العامة.

ضمانات دستورية ومؤسساتية لحماية الحريات

وتطرقت المداخلة إلى مجموعة من الضمانات الدستورية والمؤسساتية التي تستند إليها حماية الحقوق والحريات، وفي مقدمتها مبدأ سمو الدستور، الذي يجعل القواعد الدستورية مرجعًا أعلى يجب أن تتوافق معه مختلف القواعد القانونية والتنظيمية.

كما شملت الضمانات التي جرى استعراضها تكريس قرينة البراءة، والفصل بين السلطات، بما يعزز حماية الأفراد ويحد من إمكانية تجاوز الصلاحيات أو المساس بالحقوق خارج الأطر التي يحددها القانون والدستور.

وفي السياق ذاته، أبرز الوفد أهمية الهيئات الرقابية التي تضطلع بأدوار مرتبطة بحماية الحقوق والحريات، وعلى رأسها المحكمة الدستورية، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والسلطة المستقلة لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.

وتشكل هذه المؤسسات، كل في مجال اختصاصه، جزءًا من المنظومة المؤسسية الرامية إلى ضمان احترام الحقوق، ومراقبة مدى توافق الممارسات والتشريعات مع المبادئ الدستورية والقانونية ذات الصلة.

القضاء المستقل وتعزيز الحماية القضائية

وتناولت المداخلة كذلك الدور المحوري للقضاء المستقل في حماية المجتمع وضمان احترام الحقوق والحريات، باعتباره إحدى الركائز الأساسية في منظومة دولة القانون.

وفي هذا الإطار، أُبرز حق المتقاضين في ممارسة «الدفع بعدم الدستورية»، بما يسمح بإثارة مسألة مدى توافق بعض الأحكام التشريعية مع الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور، وفق الآليات والإجراءات القانونية المعمول بها.

كما جرى التأكيد على أن بعض القرارات التي يمكن أن تمس ممارسة الحقوق والحريات، من قبيل حل الجمعيات أو توقيف وسائل الإعلام، تُحصر في السلطة القضائية وحدها، على أن تتم من خلال قرارات معللة.

ويعكس هذا التنظيم أهمية إخضاع التدابير التي قد يكون لها أثر مباشر على ممارسة الحقوق لضمانات قضائية، بما يعزز الرقابة على القرارات ويكرس مبدأ الاحتكام إلى القانون.

ضوابط تشريعية تمنع المساس بجوهر الحق

وفي جانب آخر، ركزت المداخلة على الضوابط التي تحكم سلطة المشرّع عند تنظيم الحقوق والحريات، إذ لا يعني الاعتراف الدستوري بالحق ترك تنظيم ممارسته دون إطار قانوني، كما أن تنظيمه لا ينبغي أن يؤدي إلى المساس بجوهره أو إفراغه من مضمونه الأصلي.

وبحسب ما تم عرضه خلال المداخلة، فإن أي تقييد للحقوق والحريات يجب أن يستند إلى قانون واضح، وأن يكون خاضعًا للرقابة الدستورية، بما يضمن عدم تجاوز الحدود التي تسمح بها القواعد الدستورية.

ويرتبط هذا التنظيم، وفق ما جرى عرضه، بأهداف من بينها حماية النظام العام والحفاظ على الثوابت، مع ضرورة مراعاة جوهر الحقوق التي أقرها الدستور وعدم تحويل آليات التنظيم إلى وسيلة لإفراغ تلك الحقوق من مضمونها.

6-3 دستور 2020 يرسّخ ضوابط حماية الحقوق والحريات

ممارسة الحريات بين الحق والمسؤولية

وتطرقت المداخلة إلى طبيعة ممارسة الحريات الفردية والجماعية، موضحة أن الإطار الدستوري لا يقوم على مفهوم «الحرية المطلقة»، وإنما يربط ممارسة الحقوق والحريات بمجموعة من الضوابط التي تراعي النظام العام والوحدة الوطنية وأمن البلاد، فضلًا عن حقوق الآخرين.

ويهدف هذا الإطار إلى إقامة توازن بين ضمان ممارسة الحريات من جهة، وحماية المصالح العامة والمجتمعية من جهة أخرى، بحيث تتم ممارسة الحقوق ضمن القواعد التي يحددها الدستور والقانون.

وفي هذا السياق، أُشير إلى خضوع بعض الحقوق والحريات لنظام التصريح المسبق، بينما تخضع حقوق أخرى لضوابط خاصة تفرضها طبيعة القطاعات أو المصالح المعنية.

ومن بين الأمثلة التي تناولتها المداخلة الحق في الإضراب، حيث يمكن أن يخضع هذا الحق لقيود في القطاعات التي ترتبط بالمصلحة الحيوية أو الاعتبارات الأمنية، بما يعكس خصوصية بعض المجالات التي تتطلب موازنة بين ممارسة الحق وضمان استمرار الخدمات أو حماية المصالح الأساسية.

تنظيم الحالات الاستثنائية بضمانات دستورية

وشملت المداخلة أيضًا كيفية تأطير الحالات الاستثنائية، وفي مقدمتها حالات الطوارئ والحصار، حيث لا تترك هذه الحالات دون ضوابط، وإنما تخضع لإجراءات دستورية وآجال زمنية محددة.

ويهدف هذا التأطير إلى ضمان أن تكون التدابير الاستثنائية مرتبطة بالظروف التي تبررها، وأن تخضع في الوقت ذاته لآليات الرقابة المنصوص عليها دستوريًا، بما يحافظ على التوازن بين متطلبات التعامل مع الظروف الاستثنائية وضمان احترام الحقوق والحريات.

وفي هذا الإطار، جرى التأكيد على إلزامية عرض الأوامر الرئاسية المتعلقة بهذه الحالات على المحكمة الدستورية للرقابة البعدية وإبداء الرأي، بما يعزز الرقابة الدستورية حتى في الظروف الاستثنائية.

ويعكس هذا التنظيم توجهًا نحو وضع آليات رقابية تحول دون بقاء التدابير الاستثنائية خارج الإطار الدستوري، وتضمن ارتباطها بالقواعد والإجراءات التي يحددها الدستور.

توازن بين توسيع الحقوق وتنظيم ممارستها

وتظهر مختلف المحاور التي تناولتها مداخلة وفد المحكمة الدستورية أن مسألة حماية الحقوق والحريات ترتبط بمنظومة متكاملة تجمع بين الاعتراف الدستوري بالحقوق، وتوفير المؤسسات والآليات اللازمة لحمايتها، وتنظيم كيفية ممارستها، فضلًا عن إخضاع القيود المفروضة عليها للضوابط القانونية والرقابة الدستورية والقضائية.

ويبرز في هذا السياق دور دستور 2020 في تحديد مجموعة من المبادئ التي تؤطر العلاقة بين الحقوق والحريات من جهة، ومتطلبات النظام العام والمصلحة العامة من جهة أخرى، مع التأكيد على عدم المساس بجوهر الحق عند تنظيم ممارسته.

كما تبرز أهمية استقلال القضاء والرقابة الدستورية والمؤسسات المتخصصة في ضمان عدم تجاوز الحدود المقررة قانونًا، إلى جانب تمكين المتقاضين من آليات قانونية للدفاع عن حقوقهم وإثارة المسائل المتعلقة بالدستورية.

مداخلة تؤكد مرتكزات الدولة الدستورية

وخلصت المداخلة إلى أن دستور 2020 أرسى مجموعة من الدعائم المرتبطة بالدولة الدستورية، من خلال توسيع قاعدة الحقوق والحريات، وإقرار ضمانات قانونية ومؤسساتية لحمايتها، بالتوازي مع وضع قواعد واضحة لتنظيم ممارستها.

كما أكدت المداخلة أن التوازن بين حماية الحقوق والحريات وضبط ممارستها يمثل عنصرًا أساسيًا في المنظومة الدستورية، بحيث تكون القيود مرتبطة بالقانون وخاضعة للرقابة، مع مراعاة النظام العام وثوابت الأمة وحقوق الآخرين.

ويأتي تناول هذه المبادئ خلال الطبعة الرابعة عشرة من برنامج الجامعة الصيفية بمدينة أنقرة في إطار تبادل المعارف والخبرات حول القضايا الدستورية والقانونية، وتسليط الضوء على التجارب المتعلقة بحماية الحقوق والحريات وآليات تنظيمها في ظل دولة القانون.

 

 

للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا 

للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا 

للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا 

للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا 

للمزيد من فيديوهات media maghreb  بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا 

للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا 

Share this content:

إرسال التعليق