قسنطينة تفتح أبواب السياحة الرقمية.. من قصر أحمد باي إلى الذكاء الاصطناعي وإعادة رسم خريطة الوجهة الجزائرية
في مدينة اعتادت أن تختصر تاريخها في جسور معلقة فوق وادٍ عميق، وقصور تحفظ ذاكرة عصور متعاقبة، وأسواق وحرف تنقل تفاصيل الحياة من جيل إلى آخر، تبدو قسنطينة اليوم أمام فصل جديد من حكايتها السياحية؛ فصل لا يتعلق فقط بما يمكن للزائر أن يراه بعينيه، وإنما أيضا بالطريقة التي يمكن أن يكتشف بها المدينة قبل أن يصل إليها، وبالوسائل التي ستساعده على فهم تاريخها وثقافتها وتراثها، وبالقدرة على تحويل هذا التراث إلى تجربة سياحية حديثة ومستدامة.
اليوم العالمي للسياحة في قسنطينة
وتأتي فعاليات الاحتفال باليوم العالمي للسياحة في قسنطينة خلال الفترة من 24 إلى 28 سبتمبر 2026، في موعد يتزامن مع اقتراب اليوم العالمي للسياحة الذي يصادف 27 سبتمبر من كل عام، وفي سياق عالمي اختار للعام 2026 عنوانا شديد الصلة بما يحدث داخل صناعة السفر والسياحة حاليا: «الأجندة الرقمية والذكاء الاصطناعي لإعادة تصميم السياحة». ويعكس اختيار هذا الموضوع انتقال النقاش العالمي من مجرد استخدام التكنولوجيا في الخدمات السياحية إلى التفكير في كيفية إعادة بناء التجربة السياحية نفسها اعتمادا على البيانات والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على الإنسان والمجتمع المحلي والهوية الثقافية في قلب العملية.
معرض السياحة والحرف في قصر أحمد باي
في قسنطينة، يأخذ هذا التحول شكلا محليا واضحا من خلال معرض للسياحة والحرف تنظمه مديرية السياحة والصناعة التقليدية لولاية قسنطينة بالتنسيق مع غرفة الصناعة التقليدية والحرف ومتحف الفنون والتعابير الثقافية التقليدية بقصر الحاج أحمد باي، بمشاركة مختلف الفاعلين في القطاع، على أن يحتضن القصر هذه الفعاليات خلال الفترة الممتدة من 24 إلى 28 سبتمبر. ولا تبدو الخطوة مجرد نشاط احتفالي مرتبط بمناسبة دولية، إذ تأتي في وقت تشهد فيه المدينة حركية سياحية مع توافد أفواج من السياح الأجانب الراغبين في اكتشاف معالمها التاريخية والثقافية والحرفية، بما يجعل من المناسبة مساحة للعرض والترويج، ولكن أيضا لاختبار قدرة الوجهة القسنطينية على تقديم نفسها بصورة أكثر تكاملا.
الحرف والصناعة التقليدية جزء من المنتج السياحي
واللافت في برنامج المناسبة أن الحرف والصناعة التقليدية لا تظهر بوصفها عنصرا هامشيا إلى جانب المعالم السياحية، بل باعتبارها جزءا من المنتج السياحي نفسه. فالسائح الذي يأتي إلى مدينة ذات عمق تاريخي لا يبحث بالضرورة عن مبنى أو منظر طبيعي فقط، وإنما عن قصة المكان، ومأكولاته، وحرفه، وأنماط حياته، والمنتجات التي يمكن أن يحملها معه، والذاكرة الثقافية التي تبقى لديه بعد مغادرته. ومن هذه الزاوية، يصبح دمج الحرفيين والمنتجين المحليين داخل المنظومة السياحية وسيلة لربط الإنفاق السياحي بالاقتصاد المحلي، وإتاحة فرص أوسع أمام المؤسسات الصغيرة والحرفيين والشباب.
السياحة ضمن مسار تنويع الاقتصاد الجزائري
وتزداد أهمية هذا الجانب في ضوء التوجه الوطني الجزائري خلال السنوات الأخيرة نحو جعل السياحة أحد روافد تنويع الاقتصاد، مع التركيز على تحسين جودة العرض السياحي، ودعم السياحة الداخلية، وتنمية السياحة الوافدة، وتشجيع الاستثمار، وتطوير الخدمات والموارد البشرية، إلى جانب تعميم الرقمنة وتحديث القطاع. وتندرج هذه التوجهات ضمن مخطط عمل للفترة 2026-2028 يستهدف بناء عرض سياحي أكثر جودة وأصالة، وخلق فرص للاستثمار والعمل، مع منح الرقمنة والتكوين موقعا أساسيا في تطوير القطاع.
قسنطينة ومقومات السياحة الثقافية
وفي هذا السياق، فإن قسنطينة تمتلك مقومات تجعلها واحدة من النماذج المهمة للسياحة الثقافية في الجزائر. فالمدينة من أقدم المدن في العالم، وتعود جذورها إلى العصور الفينيقية حين عرفت باسم سيرتا وكانت عاصمة للمملكة النوميدية، قبل أن تمر بمراحل تاريخية رومانية وإسلامية وعثمانية واستعمارية، وهي طبقات تركت آثارها في النسيج الحضري والمعالم والذاكرة الثقافية للمدينة. وقد أدرجت المدينة القديمة ضمن التراث الثقافي الوطني منذ ديسمبر 2004، بينما حظيت قسنطينة باهتمام دولي في مجال المحافظة على التراث وإدارته وتثمين موارده.
قصر أحمد باي ذاكرة فنية وثقافية
ومن هنا تبرز أهمية قصر أحمد باي، الذي لا يمثل مجرد مبنى تاريخي يمكن إدراجه في برنامج زيارة عابرة، وإنما مساحة تختصر جانبا من تاريخ قسنطينة وذاكرتها الفنية والثقافية. وتكتسب الفعاليات الحالية أهمية إضافية من واقع أن المتحف الوطني العمومي للفنون والتعابير الثقافية التقليدية بقصر أحمد باي استقبل خلال النصف الأول من عام 2026 قرابة 15 ألف زائر وسائح من ولايات جزائرية مختلفة ومن خارج البلاد، في مؤشر على استمرار الاهتمام بالموقع بوصفه نقطة جذب ثقافية وسياحية.
التراث الثقافي وصناعة الطلب السياحي
وتكشف حركة الزوار في قصر أحمد باي عن نقطة مهمة في قراءة المشهد السياحي الجزائري: التراث الثقافي لا يزال قادرا على صناعة الطلب السياحي عندما يتم تقديمه بصورة مناسبة. فالمعالم التاريخية قد تكون موجودة منذ قرون، لكن قيمتها الاقتصادية والسياحية لا تتحدد بعمرها فقط؛ وإنما بمدى قدرتها على الوصول إلى الجمهور، وتقديم تجربة مفهومة وجذابة، وربطها ببقية عناصر الوجهة، من الإقامة والمطاعم والنقل والإرشاد والحرف والفعاليات الثقافية. وهذا هو المجال الذي يمكن أن تلعب فيه السياحة الرقمية دورا متزايدا.
التحول الرقمي والسياحة المستدامة
ولذلك فإن الملتقى الفكري المقرر تنظيمه على هامش معرض قسنطينة يوم 27 سبتمبر تحت عنوان «التحول الرقمي والسياحة المستدامة، نحو استراتيجية رقمية لتعزيز الوجهة الوطنية» يأتي في توقيت يتجاوز حدود المناسبة نفسها. فالموضوع يلتقي مع التحول الذي بدأ القطاع السياحي الجزائري في بلورته عبر إدخال منصات الحجز والخدمات الرقمية، والعمل على تطوير أدوات تكنولوجية تجعل الوصول إلى الخدمات السياحية أكثر سهولة، إلى جانب تشجيع المؤسسات الناشئة والحلول المبتكرة في الترويج السياحي.
منصات الحجز الإلكتروني في الجزائر
وكانت الجزائر قد أعلنت خلال عام 2025 عن مواصلة تطوير منصة للحجز الإلكتروني تشمل وحدات تابعة لمجمع الفندقة والسياحة والحمامات المعدنية، إلى جانب العمل على إنشاء منصة رقمية للحجز تجمع المؤسسات الفندقية العمومية والخاصة، بما يسمح للسائح بالوصول إلى مجموعة أوسع من الخدمات المرتبطة بالإقامة والمطاعم وغيرها من الخدمات. وتوضح هذه الخطوات أن الرقمنة في السياحة الجزائرية لم تعد مرتبطة فقط بالترويج الإعلامي، وإنما تتجه تدريجيا نحو الخدمات والحجز وربط مكونات التجربة السياحية رقميا.
الذكاء الاصطناعي وإعادة بناء التجربة السياحية
لكن التحول الرقمي في السياحة لا يتوقف عند إنشاء موقع إلكتروني أو منصة للحجز. المرحلة المقبلة ترتبط بدرجة أكبر بقدرة الوجهات على إدارة البيانات، وفهم أنماط الزوار، وتقديم محتوى متعدد اللغات، وتوجيه السائح إلى أماكن وتجارب أقل شهرة، وتسهيل التنقل بين المعالم، وربط المؤسسات السياحية والحرفيين والمرشدين ومقدمي الخدمات في منظومة واحدة. وهنا يظهر الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن أن تغير طريقة صناعة القرار السياحي، بدءا من مرحلة البحث عن الوجهة ووصولا إلى تصميم البرنامج السياحي وتقديم التوصيات وإدارة الموارد.
الرسالة العالمية لليوم العالمي للسياحة 2026
وعلى المستوى العالمي، تشير الرسالة الأممية بمناسبة اليوم العالمي للسياحة 2026 إلى أن الذكاء الاصطناعي يغير بالفعل الطريقة التي يختار بها المسافرون وجهاتهم، وكيف تعمل المؤسسات السياحية، وكيف يتم تصميم تجارب السفر. وفي الوقت نفسه، تطرح هذه الثورة التكنولوجية تحديات تتعلق بإمكانية تركيز تدفقات السياح على عدد محدود من الوجهات والمنصات، وهو ما يجعل الاستثمار في المهارات الرقمية وتوسيع الوصول إلى التكنولوجيا وضمان استفادة المجتمعات المحلية عناصر أساسية في مستقبل السياحة.
التكنولوجيا لتوزيع الحركة السياحية في قسنطينة
وهنا يمكن لقسنطينة أن تستفيد من التكنولوجيا ليس فقط لجذب مزيد من الزوار إلى المواقع المعروفة، وإنما أيضا لتوزيع الحركة السياحية على شبكة أوسع من التجارب. فبدلا من أن يختصر الزائر رحلته في عدد محدود من المعالم، يمكن للمنصات الذكية أن تقترح مسارات تربط بين المعالم التاريخية والمتاحف والأسواق والحرف والمطاعم والفعاليات الثقافية، وتتيح للزائر اكتشاف تفاصيل ربما لا تظهر في المسارات السياحية التقليدية. ويمكن كذلك أن تساعد أدوات الذكاء الاصطناعي في تقديم معلومات بلغات مختلفة، وهو أمر مهم بالنسبة للوجهات التي تستهدف السياحة الدولية من أسواق متنوعة.
المرشد السياحي بين التكنولوجيا والخبرة الإنسانية
ولا ينفصل ذلك عن مسألة المرشد السياحي، الذي يظل عنصرا بشريا محوريا حتى في أكثر النماذج السياحية اعتمادا على التكنولوجيا. وكانت الجزائر قد باشرت خلال 2026 متابعة مشروع منصة رقمية للمرشدين السياحيين، مع التأكيد على أهمية المرشد باعتباره واجهة مباشرة تعكس صورة الجزائر لدى الزائر، وعلى ضرورة تطوير الكفاءات المهنية والتكوين المستمر بما ينسجم مع تطورات القطاع. وهذه المعادلة بين التكنولوجيا والمهارات البشرية تبدو ضرورية حتى لا تتحول الرقمنة إلى بديل عن الخبرة الإنسانية، بل إلى وسيلة لتقويتها وتوسيع أثرها.
«IA Tour Algérie 2026» والابتكار السياحي
وفي مايو 2026، اتخذت الرقمنة والذكاء الاصطناعي بعدا أكثر وضوحا في السياسة السياحية الجزائرية من خلال إطلاق المسابقة الوطنية للابتكار في مجال الترويج الذكي للسياحة الجزائرية «IA Tour Algérie 2026»، التي تستهدف تشجيع تطوير حلول رقمية تستخدم الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي في تعزيز جاذبية الجزائر وتطوير أدوات الترويج السياحي. ويعني ذلك أن الدولة لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره تقنية بعيدة عن القطاع، بل بدأت تفتح المجال أمام الطلبة والباحثين وأصحاب المؤسسات الناشئة والمشروعات المبتكرة لتطوير تطبيقات وحلول مرتبطة بالسياحة.
السياحة وأثرها على الاقتصاد المحلي
ومن الناحية الاقتصادية، فإن أهمية هذا المسار تتجاوز أعداد السياح وحدها. فالسائح عندما يقيم في فندق، ويستخدم النقل، ويتناول الطعام، ويزور متحفا، ويشتري منتجا حرفيا، ويستعين بمرشد محلي، تتحول الرحلة إلى سلسلة من الأنشطة الاقتصادية التي يستفيد منها عدد كبير من الفاعلين. ولهذا ترتبط السياحة المستدامة في جوهرها بقدرة الوجهة على الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة الاقتصادية داخل المجتمع المحلي، مع حماية الموارد الثقافية والطبيعية التي تشكل أساس الجاذبية السياحية.
إدارة التراث والتنمية السياحية
وتتوافق هذه الرؤية مع مفهوم السياحة المستدامة الذي يقوم على دمج إدارة التراث والتنمية السياحية على مستوى الوجهة، وحماية الأصول الثقافية والطبيعية، وإشراك مختلف الأطراف المعنية في التخطيط واتخاذ القرار. وفي المدن التاريخية تحديدا، تصبح المعادلة أكثر حساسية، لأن زيادة أعداد الزوار يمكن أن تكون فرصة اقتصادية، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى إدارة واعية لحماية النسيج العمراني والهوية والمواقع التراثية من الضغوط الناتجة عن الاستخدام المكثف.

قسنطينة ومشهد حضري متكامل
وتملك قسنطينة في هذا المجال ميزة مهمة تتمثل في أن السياحة الثقافية فيها لا تعتمد على معلم منفرد، وإنما على مشهد حضري متكامل؛ فالمدينة القديمة، الجسور، القصور، المتاحف، الحرف، الذاكرة التاريخية والامتداد الحضري الحديث كلها عناصر يمكن أن تدخل في بناء تجربة واحدة. وهذه الطبيعة المتعددة للمنتج السياحي تفتح المجال أمام التكنولوجيا لتطوير خرائط تفاعلية، ومسارات ذكية، وتجارب واقع افتراضي، وأدلة صوتية، ومحتوى رقمي يعرض تاريخ المواقع بلغات متعددة، مع إمكانية تحديث المعلومات بصورة مستمرة.
التكنولوجيا وحل مشكلات الزائر
وفي المقابل، فإن نجاح هذا التحول لن يقاس بعدد التطبيقات أو المنصات التي يتم إطلاقها، وإنما بقدرتها على حل مشكلات حقيقية يواجهها الزائر والقطاع. فالمسافر يريد أن يعرف أين يذهب، وكيف يصل، وكم يستغرق الطريق، وما الذي يمكن أن يراه، وأين يمكن أن يقيم، وما الخدمات المتاحة، وكيف يدفع، وما اللغات المتوفرة، وما القواعد المتعلقة بالمواقع التراثية. وكلما أمكن جمع هذه المعلومات في تجربة رقمية واضحة وموثوقة، زادت قدرة الوجهة على المنافسة في سوق سياحي أصبح فيه القرار يبدأ في كثير من الحالات قبل الوصول إلى المطار.
مخطط السياحة الجزائرية 2026-2028
وتأتي هذه الحاجة في وقت تسعى فيه الجزائر إلى رفع قدرتها على استقطاب السياح وتنمية السياحة الداخلية. فقد أعلنت وزارة السياحة والصناعة التقليدية ضمن مخطط العمل 2026-2028 عن هدف استقطاب 8 ملايين سائح، مع ربط تحقيق هذا المسار بتوفير الموارد البشرية المؤهلة وتحسين العرض السياحي وتطوير الخدمات، بالتوازي مع دعم السياحة الداخلية والسياحة الوافدة وتشجيع الاستثمار والرقمنة.
تنوع الوجهات السياحية الجزائرية
كما أن الاهتمام بالسياحة لا يقتصر على المدن الساحلية أو الوجهات التقليدية، إذ تشمل الرؤية الجزائرية مجالات متنوعة من السياحة الجبلية والثقافية إلى السياحة الصحراوية، وهو تنوع يمكن أن يمنح البلاد قدرة أكبر على توزيع النشاط السياحي جغرافيا وزمنيا. وقد أكدت المعطيات الرسمية خلال 2026 وجود اهتمام متزايد بالسياحة الصحراوية باعتبارها جزءا من التنمية الاقتصادية، في ظل الإمكانات الكبيرة للجنوب الجزائري وقدرته على تقديم عروض متنوعة مرتبطة بالطبيعة والثقافة والمجتمعات المحلية.
التأشيرة عند الوصول ودعم السياحة الوافدة
ومن المؤشرات الأخرى على اتساع دائرة الاهتمام بالسياحة الوافدة أن آلية التأشيرة عند الوصول إلى جنوب الجزائر استفاد منها، وفقا للمعطيات الرسمية المعلنة في يوليو 2026، قرابة 39 ألف سائح أجنبي من 120 جنسية منذ إطلاقها، وهو ما يعكس أهمية تسهيل الوصول إلى الوجهات الجزائرية وربط الإجراءات السياحية بالقدرة على جذب زوار من أسواق مختلفة. وفي هذا السياق، يمكن للرقمنة أن تكون جزءا من منظومة تسهيل الرحلة، من مرحلة التخطيط والحجز إلى الوصول والإقامة والتنقل واكتشاف الوجهة.
قسنطينة وتحويل الحركة السياحية إلى أثر مستدام
وبالنسبة إلى قسنطينة، فإن الرهان لا يتعلق فقط بزيادة عدد الزوار، وإنما بتحويل الحركة السياحية الموجودة بالفعل إلى أثر اقتصادي وثقافي مستدام. فوجود أفواج سياحية أجنبية في المدينة يمثل فرصة لتطوير مسارات سياحية أكثر تنوعا، وربط الزيارة بالمؤسسات الثقافية والحرفية، وتحفيز الخدمات المحلية، وتشجيع إنتاج محتوى رقمي احترافي يقدم المدينة بصورة دقيقة وجذابة. وفي عصر أصبحت فيه الصورة الأولى للوجهة تتشكل عبر محركات البحث ومنصات الفيديو ووسائل التواصل وأدوات الذكاء الاصطناعي، فإن طريقة سرد قصة المدينة باتت جزءا من قدرتها على المنافسة.
قسنطينة والوجهات الثقافية في المغرب العربي وأفريقيا
وهذا البعد مهم أيضا بالنسبة إلى منطقة المغرب العربي وأفريقيا، حيث تمتلك المنطقة رصيدا هائلا من المدن التاريخية والثقافات المحلية والحرف والوجهات الطبيعية، لكنها تدخل اليوم سوقا عالمية لا يكفي فيها امتلاك المقومات وحدها. الوجهة التي لا تظهر رقميا قد تكون أقل حضورا في قرار المسافر من وجهة تمتلك محتوى رقميا منظما، حتى لو كانت الأولى أكثر ثراء من حيث التاريخ والطبيعة. ومن هنا يمكن للتجربة القسنطينية أن تتحول إلى نموذج أوسع لكيفية استخدام التكنولوجيا في تعريف العالم بالمدن الثقافية في المنطقة، من دون التخلي عن خصوصيتها أو تحويل تراثها إلى منتج استهلاكي منفصل عن مجتمعه.
المحافظة على التراث والتطوير السياحي
وتحمل قسنطينة أيضا درسا مهما في العلاقة بين المحافظة على التراث والتطوير السياحي. فالتاريخ الطويل للمدينة يجعل أي مشروع سياحي مطالبا بالتوازن بين فتح المواقع أمام الجمهور وحمايتها في الوقت نفسه. وتؤكد التجارب الدولية في إدارة التراث أن السياحة المستدامة تتطلب مشاركة المؤسسات المحلية والمجتمعات والقطاع السياحي في إدارة الوجهة، بحيث لا تصبح زيادة الزيارات هدفا منفردا، وإنما جزءا من منظومة تحافظ على القيمة الثقافية وتدعم التنمية المحلية.
قصر أحمد باي ونموذج السياحة الثقافية الرقمية
وفي هذا الإطار، يمكن أن يمثل قصر أحمد باي نقطة انطلاق مهمة نحو تطوير نموذج للسياحة الثقافية الرقمية في قسنطينة. فالإقبال الذي سجله خلال النصف الأول من 2026، إلى جانب تنظيم معرض السياحة والحرف والملتقى الفكري حول التحول الرقمي والسياحة المستدامة، يضع الموقع في قلب نقاش أكبر حول كيفية تحويل المعلم التاريخي إلى تجربة متكاملة تجمع المعرفة والتراث والفن والحرف والتكنولوجيا.
التكنولوجيا في خدمة المدينة لا بديلا عنها
إن السياحة الرقمية في قسنطينة لا ينبغي أن تعني أن يحل الهاتف محل المدينة، أو أن يستبدل الذكاء الاصطناعي المرشد والإنسان والحكاية المحلية. القيمة الحقيقية للتكنولوجيا تكمن في قدرتها على جعل اكتشاف المدينة أسهل وأعمق، وعلى منح السائح معلومات موثوقة، وتوسيع فرص المؤسسات الصغيرة، وإظهار الحرفيين والفنانين والمنتجين المحليين، وتحسين إدارة التدفقات السياحية، ومساعدة السلطات والفاعلين على اتخاذ قرارات مبنية على البيانات.
التحول الرقمي وسياحة أكثر شمولا واستدامة
وهذه الرؤية تتطابق مع الرسالة الأوسع لليوم العالمي للسياحة 2026، التي تربط التحول الرقمي بالحاجة إلى سياحة أكثر شمولا واستدامة وإنسانية، وتحذر في الوقت نفسه من أن الاستخدام غير المتوازن للتكنولوجيا قد يؤدي إلى تركيز السياح على عدد محدود من الأماكن والمنصات وإقصاء وجهات ومجتمعات أخرى. لذلك فإن السؤال الحقيقي بالنسبة إلى الوجهات ليس ما إذا كانت ستستخدم الذكاء الاصطناعي، وإنما كيف ستستخدمه ولصالح من، وكيف تضمن ألا يؤدي التطور الرقمي إلى فقدان التنوع الذي يجعل السياحة ذات معنى أصلا.
مسار جزائري متعدد الأبعاد لتطوير السياحة
وفي الجزائر، يبدو أن المسار قد بدأ بالفعل من أكثر من زاوية: استراتيجية وطنية للسياحة للفترة 2026-2028، توجه نحو تطوير السياحة الداخلية والوافدة، تشجيع الاستثمار، تعميم الرقمنة، تطوير منصات الحجز، الاهتمام بالمرشدين السياحيين، إطلاق مسابقة للابتكار في الترويج الذكي، إلى جانب الدفع نحو عروض أكثر جودة وأصالة. وتمنح هذه العناصر للولايات والمدن، ومنها قسنطينة، مساحة واسعة لتحويل السياسات الوطنية إلى مشاريع محلية قابلة للقياس.
15 ألف زائر لقصر أحمد باي خلال ستة أشهر
وإذا كان قصر أحمد باي قد استقبل قرابة 15 ألف زائر خلال ستة أشهر فقط من 2026، فإن الرقم في حد ذاته لا يمثل نهاية القصة، بل يمكن قراءته باعتباره مؤشرا على وجود طلب حقيقي على السياحة الثقافية. التحدي التالي يتمثل في معرفة طبيعة هذا الطلب، وما الذي يبحث عنه الزائر، ومدة إقامته، وما الخدمات التي يستخدمها، وما الذي يمكن أن يدفعه للعودة مرة أخرى، وكيف يمكن توجيه جزء من هذه الحركة نحو الحرف والمتاحف والمطاعم والخدمات الثقافية وبقية الفاعلين المحليين.
قسنطينة بين الماضي والمستقبل
وفي النهاية، تبدو قسنطينة في هذه الأيام وكأنها تضع الماضي والمستقبلفي المشهد نفسه. قصر تاريخي يستضيف معرضا للحرف والسياحة، مدينة تحمل ذاكرة تمتد لآلاف السنين، أفواج سياحية أجنبية تبحث عن تفاصيل المكان، وجامعيون وفاعلون يناقشون التحول الرقمي والسياحة المستدامة والذكاء الاصطناعي. وبين هذه العناصر جميعا تتشكل معادلة جديدة للسياحة الجزائرية: الحفاظ على الأصالة، وتطوير الخدمة، وتمكين الإنسان، والاستفادة من التكنولوجيا، وتحويل التراث إلى مصدر للتنمية دون
إفراغه من معناه.
قسنطينة وإعادة تعريف الوجهة الجزائرية
وبهذا المعنى، فإن الاحتفال باليوم العالمي للسياحة في قسنطينة لا يختزل في أربعة أو خمسة أيام من المعارض واللقاءات، وإنما يمكن أن يكون مناسبة لإعادة طرح سؤال أوسع حول صورة الوجهة الجزائرية في السنوات المقبلة. فبلد يمتلك تنوعا جغرافيا وثقافيا كبيرا، من مدن البحر المتوسط إلى جبال الأوراس، ومن المدن التاريخية إلى الصحراء الكبرى، يحتاج إلى منظومة رقمية تستطيع أن تجمع هذا التنوع وتقدمه للعالم بصورة دقيقة وجذابة ومترابطة. وإذا نجحت قسنطينة في تحويل ثروتها التاريخية والحرفية إلى تجربة سياحية رقمية مستدامة، فإنها لن تكون فقط مدينة تستقبل الزوار، بل مدينة تعيد تعريف الطريقة التي يكتشف بها الزائر الجزائر والمغرب العربي وأفريقيا؛ مدينة تستخدم أدوات المستقبل لحماية قصة الماضي، وتمنح اقتصادها المحلي فرصة جديدة للنمو من خلال واحدة من أكثر الصناعات ارتباطا بالإنسان والثقافة والمكان: السياحة.
للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا
للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا
للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا
للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا
للمزيد من فيديوهات media maghreb بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا
للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا
Share this content:



إرسال التعليق