ممر الهيدروجين الجنوبي

ممر الهيدروجين الجنوبي.. الجزائر تفتح بوابة جديدة من المغرب العربي إلى أوروبا وتعيد رسم خريطة الطاقة في إفريقيا

لم يعد الحديث عن ممر الهيدروجين الجنوبي SoutH2 Corridor مجرد نقاش أوروبي حول وقود المستقبل، بل تحول خلال الأشهر الأخيرة إلى مشروع تتداخل فيه اعتبارات الطاقة والصناعة والجغرافيا السياسية والربط بين ضفتي المتوسط. ففي الأول من أكتوبر 2026 احتضنت الجزائر العاصمة الاجتماع الوزاري الثاني للدول المنخرطة في المشروع، بمشاركة الجزائر وتونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا، وانتهى اللقاء بتوقيع «إعلان الجزائر الوزاري»، في خطوة حملت دلالة واضحة على انتقال المشروع من مرحلة الدعم السياسي إلى محاولة بناء إطار أكثر انتظاماً للتنفيذ.

وتكمن أهمية هذه اللحظة في أن المشروع لا يقوم على فكرة إنشاء خط جديد بمعزل عن البنية القائمة، وإنما يستفيد بدرجة كبيرة من شبكات الغاز والبنية التحتية الموجودة بعد تهيئتها وتكييفها لنقل الهيدروجين. ووفق التصميم المعلن للمشروع، يمتد الممر لنحو 3300 كيلومتر، ويربط مصادر الإنتاج في شمال إفريقيا بشبكات النقل في إيطاليا ثم النمسا وألمانيا، بما يجعله أحد المشاريع الأكثر وضوحاً في محاولة بناء جسر هيدروجيني بين المغرب العربي وأوروبا. كما أن نسبة مهمة من البنية المقترحة تقوم على إعادة استخدام خطوط قائمة، وهي نقطة تكتسب أهمية خاصة من الناحية الاقتصادية والهندسية.

إعلان الجزائر.. خطوة من السياسة إلى التنفيذ

الجديد في إعلان الجزائر لا يرتبط فقط بالتأكيد السياسي على المشروع، وإنما بإنشاء أمانة مخصصة للدعم التقني للممر مع مرافقة منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية «يونيدو». وهذا التطور مهم لأن مشاريع الطاقة العابرة للحدود غالباً ما تتعطل في المسافة الفاصلة بين القرار السياسي والدراسات الفنية والتمويل والتراخيص والالتزامات التجارية. ولذلك فإن الانتقال إلى هيكل يساعد على تنسيق العمل الفني بين الدول الخمس يمكن أن يكون خطوة لتقليص تلك الفجوة، خصوصاً في مشروع يتطلب تنسيقاً متزامناً بين الإنتاج والضغط والنقل والتخزين والمعايير الفنية وشهادات الطاقة النظيفة.

وتكشف التصريحات التي خرجت من الاجتماع الوزاري في الجزائر عن محاولة واضحة لوضع المشروع في إطار أوسع من مجرد تصدير وقود نظيف إلى أوروبا. فقد جرى التأكيد على أن الممر يمكن أن يشكل رافعة للتكامل الإقليمي والتعاون الأورو-متوسطي، وأن تطوير الهيدروجين الأخضر يتصل في الوقت نفسه بأمن الإمدادات والتنافسية الصناعية والاستثمار. وهذه الرؤية تجعل المغرب العربي جزءاً من المعادلة الأوروبية الجديدة ليس بوصفه منطقة عبور جغرافي فحسب، وإنما باعتباره فضاءً يمكن أن تتشكل فيه صناعات جديدة مرتبطة بالطاقة المتجددة والهيدروجين والخدمات الهندسية والنقل والتخزين.

الجزائر.. المنتج الأقرب إلى قلب الممر

بالنسبة إلى الجزائر، يحمل ممر الهيدروجين الجنوبي بعداً مختلفاً عن مشروعات الطاقة التقليدية. فالبلاد تمتلك موقعاً استراتيجياً على المتوسط، وشبكة كبيرة من البنية التحتية المرتبطة بالطاقة، وخبرة متراكمة في إنتاج الغاز ونقله وتصديره، فضلاً عن امتداد جغرافي واسع داخل الصحراء يجعل قضية الطاقة الشمسية جزءاً أساسياً من النقاش حول مستقبل الهيدروجين. ولهذا ارتبطت صورة الممر عملياً في المرحلة الحالية بالإنتاج الجزائري ثم نقله عبر تونس باتجاه إيطاليا والنمسا وألمانيا .

والقصة الجزائرية مع المشروع بدأت فعلياً في وهران في أكتوبر 2024 عندما وقعت سوناطراك وسونلغاز مع شركاء أوروبيين مذكرة تفاهم لإجراء الدراسات اللازمة على امتداد سلسلة قيمة الهيدروجين، من الإنتاج إلى النقل والتصدير، بهدف تقييم جدوى مشروع متكامل لإنتاج الهيدروجين الأخضر في الجزائر وتزويد السوق الأوروبية به عبر الممر الجنوبي. وبعدها جاء الاجتماع الوزاري في روما في يناير 2025 ليمنح المشروع سنداً سياسياً على مستوى الحكومات، قبل أن تتواصل الدراسات والتنسيق الفني خلال 2025 و2026.

وخلال 2026 اتخذ المسار الجزائري للمشروع مزيداً من الخطوات. ففي فبراير جرت مناقشة المشروع في إطار الحوار رفيع المستوى بين الجزائر والاتحاد الأوروبي حول الطاقة، مع التركيز على العقبات التنظيمية والاستثمارية والحاجة إلى تطوير سوق واضحة للهيدروجين وعقود شراء مستقبلية قادرة على إعطاء المستثمرين قدراً أكبر من اليقين. وفي يونيو وقعت سوناطراك مذكرة تفاهم مع الشركة الألمانية VNG لاستكشاف التعاون في الهيدروجين الأخضر وخفض انبعاثات الميثان، بما يعكس رغبة في توسيع التعاون الألماني الجزائري خارج مجرد البعد النظري للممر.

وفي يوليو 2026 عاد المشروع إلى الواجهة بقوة سياسية أكبر عندما جرى التأكيد من الجانب الجزائري والألماني على الدفع به خلال المرحلة المقبلة، فيما شددت التقييمات الأوروبية والإعلامية على أن الدراسات الفنية بدأت، وأن الطريق لا يزال بحاجة إلى عقود شراء طويلة الأجل والتزامات تجارية أكثر وضوحاً حتى تتحول الرغبة السياسية إلى قرارات استثمارية نهائية. وهذه تحديداً واحدة من أكثر النقاط حساسية في اقتصاد الهيدروجين العالمي: أن وجود الشمس والرياح والأنابيب لا يكفي وحده، ما لم يوجد مشترٍ مستعد لشراء المنتج بعقود تمتد لسنوات.

تونس.. من دولة عبور إلى طرف في معادلة الهيدروجين

إذا كانت الجزائر تمثل في التصور الحالي مركزاً مهماً للإنتاج، فإن تونس تمتلك وظيفة استراتيجية لا تقل أهمية داخل ممر الهيدروجين الجنوبي. فالمسار المقترح يمر عبر الأراضي التونسية قبل الوصول إلى إيطاليا، وهو ما يجعل البنية التونسية جزءاً من نقطة الاختناق أو النجاح في المشروع. وفي الوقت نفسه تعمل تونس على تطوير استراتيجية وطنية للهيدروجين الأخضر لا تجعلها مجرد منطقة عبور، بل تسعى إلى بناء إنتاج محلي وصناعة مرتبطة به وتطوير شبكة نقل وطنية قادرة على خدمة السوق الداخلية والتصدير.

وتشير الرؤية التونسية إلى أن الهيدروجين يمكن أن يتحول إلى جزء من إعادة بناء منظومة الطاقة نفسها، سواء من خلال استخدامه في الصناعات الثقيلة والكيماويات أو تطوير مشتقاته أو دمجه في مشروعات الطاقة المتجددة والنقل والتخزين. وهذه الرؤية تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب العربي لأن الهيدروجين يفرض للمرة الأولى تقريباً تصوراً للطاقة لا يتوقف عند تصدير الغاز أو الكهرباء، بل يمتد إلى سلاسل صناعية تشمل التحليل الكهربائي والتخزين والتجهيزات والكيماويات والأمونيا والوقود الاصطناعي والخدمات الهندسية.

وفي موازاة الممر الهيدروجيني، تتطور أيضاً شبكة الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا، بما فيها مشروع ELMED ومراحل تعزيز الشبكة الداخلية، وهو ما يضيف طبقة أخرى من التكامل الطاقي عبر المتوسط. فالهيدروجين الأخضر في جوهره يعتمد على الكهرباء المتجددة، وبالتالي فإن نجاح أي منظومة تصدير هيدروجين يرتبط بوجود شبكات كهرباء قوية، وأنظمة مرنة لإدارة الإنتاج، وقدرات للتخزين والنقل، وليس فقط بمحطات التحليل الكهربائي. ومن هنا يصبح الربط بين المغرب العربي وأوروبا منظومة طاقة متعددة المسارات بدلاً من أن يكون مجرد أنبوب واحد.

19 ممر الهيدروجين الجنوبي.. الجزائر تفتح بوابة جديدة من المغرب العربي إلى أوروبا وتعيد رسم خريطة الطاقة في إفريقيا

لماذا يدخل الساحل الإفريقي في الحسابات رغم أنه ليس جزءاً من الممر؟

رسمياً، لا يضم ممر الهيدروجين الجنوبي دول الساحل الإفريقي ضمن الدول الخمس المشاركة فيه؛ فالمشروع الحالي يركز على الجزائر وتونس بوصفهما طرفي الإنتاج والربط في شمال إفريقيا، وعلى إيطاليا والنمسا وألمانيا في الضفة الأوروبية. لكن قراءة المشروع من زاوية أوسع تضع الساحل الإفريقي في دائرة الاهتمام غير المباشر، لأن التحول الطاقي في شمال إفريقيا يرتبط بصورة متزايدة بعمقها الصحراوي الإفريقي وبالدول الواقعة جنوب الجزائر، خصوصاً مع تزايد مشروعات الطاقة العابرة للصحراء والبنى التحتية التي تربط الموارد الإفريقية بالمتوسط.

وتقدم التطورات الخاصة بأنبوب الغاز العابر للصحراء مثالاً مهماً على هذا النوع من الترابط. فقد بدأت الجزائر في يونيو 2026 تنفيذ شطر من المشروع الذي يربط الغاز النيجيري بأوروبا عبر النيجر والجزائر، في مشروع يربط فضاءات إنتاج الطاقة في غرب إفريقيا بالبنية التحتية المتوسطية. صحيح أن هذا المشروع غازي وليس هيدروجينياً، ولا يجوز الخلط بين المسارين، لكنه يكشف عن اتجاه استراتيجي أوسع في إفريقيا يقوم على جعل الجزائر نقطة اتصال بين الموارد الطاقوية في الجنوب والأسواق الأوروبية في الشمال. ومن هذه الزاوية يمكن فهم الهيدروجين كمرحلة جديدة محتملة في شبكة أوسع من العلاقات الطاقوية الإفريقية.

وتبرز موريتانيا هنا بوصفها نموذجاً آخر من نماذج التحول الجاري في المجال الصحراوي والساحلي. ففي سبتمبر 2026 وقعت الحكومة الموريتانية اتفاقية شاملة لتطوير مشروع «أمان» للهيدروجين الأخضر، ووصفت الخطوة بأنها مرحلة متقدمة في مسار مشروع واسع يستهدف إنتاج الطاقة المتجددة والهيدروجين. ولا يعني ذلك أن موريتانيا انضمت إلى ممر الهيدروجين الجنوبي، فهذا غير قائم في الصيغة الرسمية الحالية، لكنه يعني أن الساحل الإفريقي بدأ يدخل تدريجياً إلى خريطة اقتصاد الهيدروجين العالمي، وأن المنطقة الصحراوية الممتدة بين شمال إفريقيا وغربها قد تتحول مستقبلاً إلى مجال تنافس على الإنتاج والاستثمار وسلاسل القيمة.

الصحراء.. المورد الكبير والتحدي الأكبر

تملك شمال إفريقيا، وفي القلب منها المجال الصحراوي الجزائري، عناصر أساسية تجعل المنطقة محل اهتمام في اقتصاد الهيدروجين: توفر الطاقة الشمسية والرياح، والقرب الجغرافي من أوروبا، وشبكات الطاقة القائمة، والموانئ، والخبرة المتراكمة في الصناعات الطاقوية. لكن تحويل هذه المقومات إلى إنتاج هيدروجين أخضر تنافسي يتطلب استثمارات ضخمة في الكهرباء المتجددة، ومحطات التحليل الكهربائي، والخطوط، والتخزين، والمياه، والتبريد، وأنظمة التحكم، والشهادات التي تسمح بقبول المنتج في السوق الأوروبية. ولذلك فإن المسألة ليست مجرد استخراج مورد طبيعي جديد، وإنما بناء صناعة جديدة من الصفر تقريباً حول الطاقة النظيفة.

وتظهر قضية المياه باعتبارها واحدة من أكثر التحديات حساسية، خصوصاً في البيئات الصحراوية وشبه الصحراوية الممتدة بين المغرب العربي والساحل الإفريقي. فعملية التحليل الكهربائي تحتاج إلى ماء، وإذا توسعت المشروعات على نطاق صناعي تصبح مسألة توفير المياه ومعالجة المصادر والاعتماد على التحلية وإدارة المياه الناتجة عن العمليات الصناعية جزءاً من المعادلة الاقتصادية والبيئية. ولهذا تتجه النقاشات في الجزائر وتونس إلى الربط بين الهيدروجين والتحلية وإدارة الموارد المائية، بدلاً من التعامل مع الهيدروجين باعتباره مشروع طاقة منفصلاً عن منظومة الأمن المائي.

هل يستطيع الهيدروجين خلق قيمة داخل إفريقيا؟

السؤال الأكثر أهمية بالنسبة إلى قارة إفريقيا ليس فقط كم ستبيع من الهيدروجين إلى أوروبا، وإنما ماذا ستحتفظ به داخل اقتصاداتها من قيمة مضافة. فإذا بقيت القارة منتجاً للمادة الأولية ومصدراً لها، فإن الهيدروجين قد يعيد إنتاج نموذج الطاقة التقليدي بصيغة جديدة. أما إذا ارتبطت مشروعات الهيدروجين بتصنيع المعدات وتطوير شبكات الكهرباء وبناء القدرات البشرية وإنتاج الأمونيا والوقود الصناعي والصلب الأخضر والأسمدة والخدمات الهندسية، فإن الأثر الاقتصادي سيكون أعمق بكثير وأكثر استدامة. وقد أصبحت هذه النقطة حاضرة بقوة في النقاشات الدولية حول مستقبل الهيدروجين في إفريقيا.

وهنا تبدو الاستراتيجية الجزائرية ذات دلالة خاصة، إذ تتحدث السلطات عن بناء سلسلة قيمة وطنية للهيدروجين، وليس الاقتصار على إنتاجه للتصدير. كما يرتبط الهيدروجين في التصور الصناعي بإنتاج الأمونيا والصلب الأخضر والوقود المستدام وتطوير الخبرات في مجالات الإنتاج والتخزين والنقل والشهادات والتجهيزات. وإذا نجحت هذه المقاربة، فإن قيمة المشروع لن تقاس فقط بما يخرج من الأنابيب باتجاه أوروبا، وإنما بما يتشكل داخل الجزائر من قاعدة صناعية وتقنية قابلة للتوسع داخل إفريقيا والساحل الإفريقي والمغرب العربي.

أوروبا تحتاج الهيدروجين.. لكن السوق لا تزال تبحث عن السعر

تبدو أوروبا في حاجة فعلية إلى الهيدروجين منخفض الانبعاثات من أجل قطاعات يصعب خفض انبعاثاتها بالكهرباء المباشرة، مثل الصناعات الكيميائية والحديد والصلب وبعض تطبيقات النقل والشحن والوقود الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، تواجه صناعة الهيدروجين نفسها تحديات كبيرة تتعلق بارتفاع التكلفة وضعف الطلب المؤكد وتأخر بعض المشروعات، الأمر الذي يجعل وجود ممرات نقل مثل SoutH2 Corridor مرتبطاً بقدرة المنتجين الأوروبيين والمستهلكين الصناعيين على إبرام عقود شراء طويلة الأجل. لذلك فنجاح الممر سيتوقف على جانبي البحر المتوسط معاً: قدرة المغرب العربي على إنتاج هيدروجين تنافسي، وقدرة أوروبا على خلق سوق مستدامة له.

ويأتي هذا في وقت تحاول فيه المؤسسات الأوروبية بناء مظلة أوسع للتعاون في الطاقة المتجددة والهيدروجين عبر مبادرة T-MED، التي تستهدف تسريع الاستثمار في الطاقة النظيفة والشبكات والتقنيات المرتبطة بالهيدروجين على جانبي المتوسط. وهذا الإطار الأوسع مهم لأنه يمنح ممر الهيدروجين الجنوبي فرصة للعمل داخل منظومة أكبر من المبادرات، تشمل التمويل والإصلاحات التنظيمية وتطوير المهارات وسلاسل التصنيع والتوصيلات الكهربائية والبنية التحتية للهيدروجين. وبذلك يمكن أن يصبح الممر جزءاً من مشروع أوروبي-متوسطي أشمل بدلاً من أن يظل مشروعاً منفرداً.

الجزائر بين المتوسط والساحل.. وهندسة جديدة للدور الطاقوي

الأهمية الجيوسياسية للمشروع بالنسبة إلى الجزائر تتجاوز مسألة تصدير الهيدروجين ذاته. فالبلاد تعمل في الوقت نفسه على تطوير علاقاتها الطاقوية مع أوروبا، وتعزيز البنى التحتية العابرة للصحراء، وتوسيع التعاون مع دول إفريقية جنوب الصحراء، بما يضعها أمام فرصة لتجميع أدوار كانت منفصلة في السابق: منتج للطاقة، وممر للنقل، وقاعدة صناعية، وحلقة اتصال بين الساحل الإفريقي وأوروبا. والهيدروجين يمكن أن يضيف إلى هذه الأدوار طبقة جديدة من النفوذ الاقتصادي، شرط أن يتحول المشروع من مجرد قناة للتصدير إلى منصة صناعية متكاملة.

ومن الناحية السياسية، يحمل الممر أيضاً رسالة مختلفة عن الرسائل المرتبطة بالطاقة الأحفورية. فبدلاً من الاعتماد على مورد واحد ومسار واحد، تقوم الفكرة على إعادة تشكيل شبكة طاقة أكثر تنوعاً تجمع بين الشمس والرياح والكهرباء والهيدروجين والغاز والبنية التحتية العابرة للحدود. وهذا التنوع قد يمنح الجزائر وتونس موقعاً جديداً في المفاوضات الأوروبية حول أمن الطاقة، خصوصاً في مرحلة أصبحت فيها أوروبا أكثر حساسية تجاه أمن الإمدادات وسلاسل التوريد والقدرة على تقليل مخاطر الصدمات الجيوسياسية.

ما الذي يفصل المشروع عن لحظة التنفيذ الفعلي؟

رغم الزخم السياسي المتزايد، فإن الطريق أمام ممر الهيدروجين الجنوبي لا يزال يمر بعدة اختبارات. هناك أولاً الاختبارات التقنية الخاصة بتحويل أجزاء من شبكة الغاز ونقل الهيدروجين بأمان وكفاءة، ثم تحديات التمويل، والتراخيص، والربط بين الإنتاج والشبكة الأوروبية، وأخيراً التحدي التجاري الأهم المتمثل في وجود مشترين ملتزمين بعقود شراء طويلة الأجل. وقد أكدت المعطيات الأوروبية أن المشروع يحتاج إلى مزيد من العمل لتقليل مخاطر الاستثمار في مرحلة لا يزال فيها سوق الهيدروجين الأوروبي في طور التشكل.

ويشير الاتجاه العام إلى أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة في الإجابة عن سؤال جوهري: هل يتحول SoutH2 Corridor إلى بنية تحتية فعلية تنقل الطاقة المتجددة من شمال إفريقيا إلى قلب الصناعة الأوروبية، أم يبقى لسنوات أخرى مشروعاً استراتيجياً تتقدم فيه الدراسات أسرع من الاستثمارات؟ توقيت المشروع المعلن يشير إلى استهداف التشغيل في بداية ثلاثينيات هذا القرن، لكن الوصول إلى تلك المرحلة يتطلب الانتقال من الدراسات إلى قرارات الاستثمار، ومن الدعم السياسي إلى الالتزامات التجارية، ومن مشاريع الإنتاج التجريبية إلى منظومة إنتاج قابلة للتوسع.

ممر الهيدروجين الجنوبي.. مشروع أوروبي بطابع إفريقي متزايد

في المحصلة، يبدو ممر الهيدروجين الجنوبي أكبر من مجرد أنبوب جديد للطاقة. إنه اختبار لنموذج اقتصادي جديد يمكن أن يعيد تعريف العلاقة بين أوروبا والمغرب العربي ويفتح الباب أمام إعادة صياغة موقع الساحل الإفريقي في منظومة الطاقة الدولية. الجزائر تمتلك فرصة لتحويل مواردها الشمسية وموقعها وشبكاتها وخبرتها الطاقوية إلى قاعدة إنتاج وربط، بينما تستطيع تونس أن تتحول من ممر جغرافي إلى شريك في الإنتاج والبنية التحتية، في الوقت الذي تتحرك فيه دول أخرى في إفريقيا لتطوير مشروعات هيدروجين مستقلة قد تشكل مستقبلاً شبكة أوسع من مراكز الإنتاج الأفريقية.

وإذا نجح المشروع، فلن تكون نتائجه محصورة في صادرات الهيدروجين إلى إيطاليا والنمسا وألمانيا. الأثر الحقيقي قد يظهر في بناء صناعات جديدة في الجزائر وتونس، وتطوير مهارات وتقنيات وشبكات كهرباء وموانئ وخدمات لوجستية، وربط الاقتصاد الأخضر الأوروبي بموارد المغرب العربي وقارة إفريقيا. أما إذا بقيت مشروعات الإنتاج منفصلة عن الصناعة المحلية، وظلت عقود الشراء والتمويل والشهادات غير محسومة، فإن الطموح سيظل أكبر من القدرة على التنفيذ. ولذلك فإن إعلان الجزائر يمثل محطة مهمة، لكنه ليس خط النهاية؛ بل بداية المرحلة التي سيحدد فيها رأس المال والتكنولوجيا والسوق والمياه ما إذا كان الهيدروجين سيصبح بالفعل وقود المرحلة الجديدة للعلاقة بين إفريقيا وأوروبا.

 

 

للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا 

للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا 

للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا 

للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا 

للمزيد من فيديوهات media maghreb  بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا 

للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا 

Share this content:

إرسال التعليق