خروج الجزائر من القائمة الرمادية.. الدكتور عبد المجيد الهلالي: 20 ألف مشروع استثماري يستفيد من القرار
في خطوة وُصفت بأنها من أهم المكاسب الاقتصادية والمالية التي حققتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة، أعلنت مجموعة العمل المالي (GAFI/FATF) رسمياً رفع الجزائر من “القائمة الرمادية” الخاصة بالدول الخاضعة للمتابعة المعززة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وجاء القرار خلال الاجتماع العام للمجموعة المنعقد بمقر منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) بالعاصمة الفرنسية باريس، والذي امتد من 15 إلى 19 يونيو 2026، حيث أكدت الهيئة الدولية أن الجزائر نجحت في تنفيذ خطة العمل المتفق عليها، واستوفت المتطلبات المتعلقة بتعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وتؤكد الوثيقة الرسمية الصادرة عن المجموعة أن الجزائر تمكنت من إتمام الإصلاحات التشريعية والهيكلية المطلوبة، بعد تقييم ميداني إيجابي أثبت فعالية التدابير المتخذة خلال السنوات الماضية.
ويُنظر إلى هذا القرار على أنه شهادة دولية جديدة لصالح الاقتصاد الجزائري، بالنظر إلى ما يحمله من آثار إيجابية على صورة البلاد لدى المؤسسات المالية العالمية والبنوك الدولية والمستثمرين الأجانب، فضلاً عن مساهمته في تسهيل حركة الأموال والمعاملات التجارية ورفع مستوى الثقة في السوق الجزائرية.
وللوقوف عند خلفيات هذا الإنجاز وأبعاده الاقتصادية والمالية، «MEDIA MAGHREB» إلتقي بخبير المالية الدكتور عبد المجيد هلايلي لإجراء هذا الحوار لتحليل تأثير هذا القرار وانعكاسته على الإقتصاد الجزائري .
بداية، كيف تقرؤون إعلان رفع الجزائر من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي؟
بكل تأكيد نحن أمام إنجاز اقتصادي ومالي مهم جداً للجزائر. فالقائمة الرمادية ليست مجرد تصنيف تقني، وإنما تؤثر بشكل مباشر على نظرة المؤسسات المالية الدولية والمستثمرين الأجانب لأي دولة مدرجة ضمنها.
خروج الجزائر من هذه القائمة سيحسن صورتها الاقتصادية والمالية والدبلوماسية، وسيرفع مستوى الثقة في الاقتصاد الوطني، كما سيمنح المتعاملين الاقتصاديين والبنوك الأجنبية إشارات إيجابية بشأن استقرار المنظومة المالية الجزائرية وامتثالها للمعايير الدولية.
الأهم من ذلك أن الجزائر حققت هذا الإنجاز في فترة زمنية قياسية نسبياً مقارنة بدول أخرى احتاجت سنوات طويلة للخروج من القائمة نفسها.
ما هي العوامل التي سمحت للجزائر بتحقيق هذا الخروج في فترة قصيرة؟
الجزائر عملت بالتوازي على ثلاثة محاور رئيسية.
المحور الأول كان تشريعياً وقانونياً، حيث جرى تعديل وتحيين عدد كبير من النصوص القانونية والتنظيمية المرتبطة بالضرائب والمالية والبنوك والتجارة ومكافحة تبييض الأموال.
أما المحور الثاني فتمثل في الرقمنة، حيث شهدت قطاعات الجمارك والضرائب والبنوك والتجارة تحولاً رقمياً واسعاً سمح برفع مستوى الشفافية وتعزيز الرقابة على التدفقات المالية.
كما تم إنشاء هيئة عليا للرقمنة مرتبطة مباشرة برئاسة الجمهورية، بهدف متابعة مختلف المشاريع الرقمية وضمان سرعة التدخل عند ظهور أي اختلالات.
أما المحور الثالث فكان مرتبطاً بالاستثمار، من خلال إعادة هيكلة الوكالة الوطنية للاستثمار ومنحها صلاحيات أوسع، إضافة إلى إنشاء آليات جديدة لمتابعة المشاريع الاستثمارية وتسهيل الإجراءات أمام المستثمرين.
ما حجم الخسائر أو التأثيرات التي ترتبت على وجود الجزائر ضمن القائمة الرمادية؟
القائمة الرمادية فرضت نوعاً من التحفظ والرقابة المشددة على المعاملات المالية المرتبطة بالجزائر، وهو ما أثر على مناخ الأعمال والاستثمار.
ومن بين أبرز المؤشرات التي تعكس حجم التأثير، وجود ما يقارب 20 ألف مشروع استثماري تأثر بدرجات متفاوتة خلال هذه المرحلة، سواء من حيث التمويل أو الإجراءات أو سرعة التنفيذ.
اليوم، وبعد الخروج من القائمة الرمادية، نتوقع عودة هذه المشاريع إلى النشاط بوتيرة أسرع، ما سيشكل دفعة قوية للاقتصاد الوطني ولخلق مناصب الشغل.
هل يمكن اعتبار هذا القرار نقطة تحول بالنسبة للاستثمار الأجنبي؟
بلا شك.
المستثمر الأجنبي يراقب دائماً المؤشرات الدولية المتعلقة بالحوكمة والشفافية والامتثال المالي.
عندما تخرج دولة من القائمة الرمادية، فإن ذلك يبعث برسالة قوية للمؤسسات المالية العالمية وللمستثمرين بأن البيئة الاقتصادية أصبحت أكثر أماناً وشفافية.
كما أن الجزائر تستعد لإطلاق مشاريع استراتيجية كبرى، من بينها استغلال نحو 24 منجماً جديداً، وهي مشاريع تتطلب شراكات دولية وتمويلات واستثمارات مهمة، ما يجعل تحسين صورة الجزائر المالية ضرورة اقتصادية ملحة.
تحدثتم عن الرقمنة، كيف ساهمت عملياً في هذا الإنجاز؟
الرقمنة كانت من أهم أدوات الإصلاح.فكلما ارتفعت نسبة المعاملات الرقمية تقلصت مساحة الاقتصاد غير الرسمي وازدادت قدرة أجهزة الرقابة على تتبع حركة الأموال.
كما سمحت الرقمنة بتقريب الإدارة من المستثمر والمتعامل الاقتصادي، وأصبح بالإمكان إنجاز عدد كبير من الإجراءات إلكترونياً، وهو ما ساهم في تعزيز الشفافية والفعالية الإدارية.
ما الدور الذي لعبته خلية معالجة الاستعلام المالي في هذا المسار؟
خلية معالجة الاستعلام المالي (CTRF) تعتبر إحدى الركائز الأساسية لمنظومة مكافحة غسل الأموال.
فالخلية تضم خبرات متعددة من قطاعات الضرائب والبنوك والتجارة ووزارة المالية، إضافة إلى مساهمة مهنيين من المحامين والموثقين ومحافظي الحسابات.
هذا التنسيق بين مختلف المتدخلين عزز من فعالية تبادل المعلومات وساهم في تحسين قدرة الدولة على رصد العمليات المشبوهة والتعامل معها وفق المعايير الدولية.
بعد هذا الإنجاز، هل تري أن المواطن الجزائري قد ساهم في تحقيق هذا الإنجاز؟\
المواطن لعب دوراً أساسياً، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. فعندما التزم بالإجراءات البنكية الجديدة وتعامل مع القنوات المالية الرسمية، ساهم في تعزيز الشمول المالي وتقليص حجم الاقتصاد الموازي.
فعندما يمتلك المواطن حساباً بنكياً تصبح معاملاته المالية أكثر شفافية وقابلية للتتبع، مما يقلل من الاعتماد على النقد ويحد من نشاط السوق الموازية التي تشكل أحد أبرز التحديات الاقتصادية.
وهناك عدة مزايا، أهمها تعزيز الشمول المالي، وزيادة الثقة في المؤسسات البنكية، وتمكين المواطن من مقارنة سعر صرف الدينار في السوق الرسمية مع السوق الموازية، مما يرفع مستوى الوعي المالي لديه.
فكلما زاد استخدام القنوات البنكية الرسمية وتراجع الاعتماد على النقد، تقلصت مساحة نشاط السوق الموازية، وهو ما يسهم في تنظيم الحركة المالية داخل الاقتصاد الوطني.
ما أبرز التحديات التي ما تزال تواجه سوق الصرف في الجزائر؟
من أهم التحديات ملف مكاتب الصرف، الذي لا يزال مطروحاً للنقاش رغم أهميته الكبيرة. فغياب هذه المكاتب يجعل البنك المركزي يتحمل وحده مسؤولية إدارة سوق الصرف، ويترك جزءاً مهماً من المعاملات بيد السوق الموازية.
فوجود مكاتب الصرف ضرورة اقتصادية لأنها توفر بديلاً قانونياً ومنظماً للمواطنين للحصول على العملات الأجنبية، وتساعد على استقطاب الأموال المتداولة خارج النظام الرسمي، مما يخفف الضغط على البنك المركزي ويعزز شفافية سوق الصرف.
ما الرسالة التي يمكن توجيهها للمواطن الجزائري في هذا السياق؟
الرسالة هي أن المواطن ليس مجرد مستفيد من الإصلاحات الاقتصادية، بل هو شريك أساسي فيها. فكل تعامل مالي يتم عبر القنوات الرسمية يسهم في تعزيز استقرار الاقتصاد الوطني وتحسين صورة الجزائر المالية على المستوى الدولي.
هل تري أن إتاحة منحة الـ750 يورو لها علاقة وتأثير على خروج الجزائر من القائمة الرمادية؟
قد يعتقد البعض أن الأمر يتعلق فقط بالحصول على مبلغ مالي، لكن الأثر الحقيقي يكمن في إلزام المستفيد بفتح حساب بنكي. هذا الإجراء أعاد ربط شريحة واسعة من المواطنين بالمنظومة البنكية الرسمية، وهو ما يتماشى مع معايير مجموعة العمل المالي.
كيف ترون مستقبل سوق الصرف في الجزائر؟
المستقبل مرتبط باستكمال الإصلاحات الحالية، وعلى رأسها تفعيل مكاتب الصرف وتوسيع الشمول المالي. إذا تم تحقيق ذلك، فستتمكن الجزائر من تقليص حجم السوق الموازية وتعزيز كفاءة وشفافية النظام المالي بشكل أكبر.
من وجهة نظرك ما هي أبرز التحديات التي لا تزال تواجه الاقتصاد الجزائري؟
أعتقد أن التحدي الأول هو الحفاظ على هذا المكسب وعدم العودة مستقبلاً إلى أي تصنيف رقابي مماثل.
أما التحدي الثاني فيتمثل في محاربة السوق الموازية التي لا تزال تستحوذ على جزء مهم من النشاط الاقتصادي خارج القنوات الرسمية.
كما أن بعض المتعاملين الاقتصاديين ما زالوا يلجؤون إلى ممارسات مثل تضخيم الفواتير أو عدم استعمال الفوترة بالشكل المطلوب أو محاولة تفادي الأنظمة الرقمية، وهي ممارسات تتعارض مع الجهود التي تبذلها الدولة لتعزيز الشفافية.
ماذا عن الإصلاحات الجبائية التي باشرتها السلطات خلال السنوات الأخيرة؟
شهدت المنظومة الجبائية إصلاحات مهمة جداً، خاصة في إطار قانون المالية لسنة 2026.
وقد تضمنت هذه الإصلاحات آليات جديدة لتسوية وإعادة جدولة الديون الجبائية السابقة، بما يسمح للمؤسسات والمتعاملين الاقتصاديين بتسوية وضعياتهم القانونية والمالية.
كما استفادت فئات واسعة من إعفاءات وتسهيلات ضريبية ساهمت في تشجيع النشاط الاقتصادي وإدماج المزيد من الفاعلين ضمن الاقتصاد الرسمي.
ومن أبرز الإجراءات التى اتخذتها الدولة فى هذ الشأن هو تعديل قانون الضرائب وخاصة المواد المادة 122والمادة 93 من قانون المالية 2026 فيما يخص قانون الضرائب والتى تتعلق بتطهير الديون الجبائية.
ما أبرز الانشغالات التي يطرحها المستثمرون اليوم؟
لا يزال ملف الضغط الجبائي مطروحاً بقوة من طرف المستثمرين.
ففي بعض الحالات قد تصل الضرائب والرسوم المختلفة إلى مستويات مرتفعة تقترب من 60 بالمائة من الأرباح، وهو ما يفرض مواصلة الإصلاحات من أجل خلق بيئة أكثر تنافسية وجاذبية للاستثمار.
ولهذا تعمل السلطات على مراجعة بعض الإجراءات وتبسيطها بشكل مستمر لتحسين مناخ الأعمال.
كيف تنظرون إلى الوضع المالي للدولة في المرحلة المقبلة؟
رغم المؤشرات الإيجابية الحالية، فإن الجزائر مطالبة بمواجهة تحديات مالية حقيقية.
فوفق الأرقام المتاحة، بلغت الإيرادات العامة نحو 8000 مليار دولار، بينما سجلت الميزانية عجزاً يقارب 9600 مليار دولار.
وهذه الأرقام تؤكد أهمية تنويع مصادر الدخل الوطني، وتشجيع الاستثمار المنتج، وزيادة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج الوطني.
حيث تطمح الجزائر خلال الفترة المستقبلية من الوصول بالمنتجات الجزائرية إلى 300 منتج جزائري.
أخيراً، ما الذي تنتظرونه من المرحلة المقبلة؟
المرحلة المقبلة يجب أن تركز على تثبيت المكاسب المحققة ومواصلة الإصلاحات.
نحتاج إلى مزيد من الرقمنة، ومزيد من الشفافية، ومزيد من التسهيلات للمستثمرين، إضافة إلى استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية وتشجيع الاستثمار المحلي.
إذا تم استثمار هذا الإنجاز بالشكل الصحيح، فإن الجزائر تمتلك كل المقومات اللازمة لتحقيق قفزة اقتصادية حقيقية خلال السنوات القادمة.
للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا
للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا
للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا
للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا
للمزيد من فيديوهات media maghreb بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا
للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا
Share this content:



إرسال التعليق