الأزمة اللبنانية

لبنان الحاضر والمصير!

بقلم : فكرية أحمد … كاتبة هولندية مصرية …  هذا المشهد المحزن عربياً الذي تعايشه لبنان ليس بجديد، فلا يفتأ الكيان الإسرائيلي يعمد إلى تدمير القرى اللبنانية في الجنوب اللبناني وتدمير البني التحتية واستهداف المدنيين للترويع بين وقت وأخر تحت زعم أنه يستهدف بؤر وتجمعات لحزب الله، لكن من يحسم هذ الزعم سوى إسرائيل نفسها، فتساقط مئات المدنيين اللبنانيين ضحايا القصف والعدوان الإسرائيلي لا يقنع إسرائيل إنها لا تستهدف عنصر حزب الله بل مدنيين، الإعلان عن أن الشهداء من نساء وأطفال وشيوخ وأن توجهاتهم لا منتمية لحزب الله لا تقنع أيضاً إسرائيل التي لديها هدف أعم وأشمل من مجرد استهداف عناصر حزب الله .

 

الأهداف الحقيقية لإسرائيل في لبنان

فهدف إسرائيل الذي لا مراء فيه هو جر لبنان نفسها إلى مواجهة عسكرية شاملة، نتنياهو يعرف ما يفعله تماماً، فهدفه ليس حزب الله فقط بل كل لبنان وإن اتخذ من الحزب شوكه في “حلقومه” يزعم محاولته لانتزاعها منه ومن الجسد اللبناني نفسه، وهو ما يتطابق مع أكذوبته المعلنة وهو يبيد أهل غزه بأنه كان يستهدف عناصر حماس، فيما كان المخطط الحقيقي غزة نفسها، ومن ثم المزيد من الأراضي الفلسطينية والمضي قدماً في الحلم الوهمي للكيان في دولة كبرى من النيل للفرات.

 

تصعيد مستمر رغم محاولات التهدئة

يتواصل العدوان ومخطط هدم البني التحتية للبنان في وقت هدنة هشة لم تلتزم بها إسرائيل كما لم تلتزم أيضا باتفاق غزة ولم تلتزم سابقاً بأي اتفاق دولي أو معاهدة أو قرار أممي، ولا يعرف أحد على وجه الدقة ما جدوى هذه الحوار اللبناني الإسرائيلي الذى جرى في واشنطن قبل أيام فيما الغارات الإسرائيلية تتواصل على التوازي لتغطي على أصوات المتحاورين، وهو ما يعيد للذاكرة” مع اختلاف بعض التفاصيل” مفاوضات لبنان مع إسرائيل في 19 سبتمبر 1948والتي كان يتوازى معها محاولة تثبيت احتلال القرى اللبنانية الجنوبية تمهيدا لضمِّها.

 

حسابات القوة والضعف في المشهد الحالي

يعلم نتنياهو أن حزب الله الذي يتخذ من “شمخة” الصمود لا يمتلك ما تمتلكه تل أبيب من أسلحة، وأن المدد الإيراني منهك حالياً وطهران مشغولة باستيعاب أوزار الحرب وإيجاد صيغة تهدئة مع المحيط الخليجي العربي،
ويعلم نتنياهو أيضا أن الحكومة اللبنانية لم تعد تعول على قوة المقاومة التي يبذلها حزب الله على الساحة، وأن الرغبة الرسمية اللبنانية هي توحيد القوى الوطنية في تحرك وقرار موحد بعيداً عن التشتت والتشرذم، ومؤكد ترفض الحكومة اللبنانية أي اتفاق ثنائي بين إسرائيل وحزب الله بصورة منفصلة على رسمية الدولة، ففي هذا تفكيك لمفاصل لبنان وقوتها وتشتت هذه القوة وإعادة لتكريس الحزب واستعادته لمكانته داخل البلاد على حساب قوة الدول رسمياً على الرغم من استبعاد فكرة توصل إسرائيل لاتفاق ما مع حزب الله.

aa-5 لبنان الحاضر والمصير!

تداعيات الضربات المتبادلة على الداخل اللبناني

كما أن الضربات الهزيلة التي يوجهها حزب الله لإسرائيل تعطي ذريعة كاملة للأخيرة لموصلة استنزاف لبنان واستهداف البنية التحتية وتوجيه ضربات موجعة للأهداف المدنية والمدنيين، بما ينذر بكارثة حقيقية بين الشعب والدولة التي باتت في مشهد العاجز عن حماية أراضيها وصد العدوان، وهذا العجز يقارب من تحقق هدف الاحتلال للتمركز في نقاط حيوية بالجنوب اللبناني، واتخاذ ذلك ورقة مفاوضات وضغط على الحكومة اللبنانية.

 

وهم التفاوض والسلام

ومن البلاهة اعتقاد أن إسرائيل تريد التوصل لسلام حقيقي من خلال التفاوض مع الحكومة اللبنانية، فإعلان الرئيس اللبناني جوزيف عون عن الاستعداد للتفاوض مع إسرائيل لإنهاء حالة الحرب بما يضمن لبلاده انسحاب إسرائيل الكامل من الجنوب وإطلاق سراح الأسرى لا يعني أبدا استجابة إسرائيل لرغبة عون ، لأن إسرائيل في الواقع لا ترغب في تفاوض حقيقي يصل إلى حل سلمي بشكل قاطع، ويدلل على هذا بوضوح استمرارها في التناوش مع حزب الله، واتخاذه ذريعة لمواصلة ضرب لبنان وحرق أراضيها بما فيها استهداف العاصمة بيروت والتي أعقبت مباشرة تصريحات ” شهباز شريف” رئيس الوزراء الباكستاني والتي أعلن فيها العمل على شمول لبنان باتفاق وقف إطلاق النار في مفاوضات إيران والولايات المتحدة الأمريكية في إسلام آباد والتي جرت في 8 أبريل 2026، وةي الضربات التي أسفرت عن استشهاد 250 شهيدًا ومئات الجرحى معظمهم من المدنيين، وهي ضربات تؤكد على عدم الرغبة في المضي قدماً في مسار تفاوضي حقيقي للسلام مع لبنان ، وتدلل أيضا على رفضها ربط الملف الإيراني باللبناني في أي مفاوضات من خلال جسر حزب الله.

 

تساؤلات حول استراتيجية حزب الله

ومع الانتقال لجانب حزب الله، ففي الواقع لا يعلم الساسة المحايدون على أي حصان يراهن حزب الله حاليا؟، هل يراهن على استنزاف إسرائيل بتلك الضربات الصاروخية المتفرقة بين حين وآخر؟ هل يراهن على المد الإيراني واستعادة طهران لقوتها لاحقاً؟ هل يراهن على إعادة صياغة إقليمية يمكن أن تضبط قواعد المواجهة مع العدو؟ الإجابة في الثلاث سيناريوهات تبدو قاتمة لا إضاءة فيها، وهذا من واقع حيادي لا مجاملة فيه، خاصة وأن قرار الحكومة اللبنانية بحصر السلاح بيد القوات النظامية اللبنانية دون غيرها، وهو قرار قيد التنفيذ وإن تأخر، وقد يضع حزب الله نفسه في مواجهة مع الدولة، وهو مالا نتمنى أن يحدث أبداً حتى لا تواجه لبنان المزيد من التشتت والفرقة الداخلية التي يمكن أن تصل بها إلى اقتتال داخلي لا تحمد عقباه.

 

سيناريوهات مستقبلية محتملة

لذا نصل هنا أمام توقعات المستقبل أو قل السيناريوهات التي تبدو مقبولة مع ضبابية المشهد العام، فالمنطق يقول أن قطع الطريق أمام الحجج الإسرائيلية هو أقصر طريق لأنهاء أزمة الجنوب والتطاول الإسرائيلي المتصاعد على لبنان، وان يتم ذلك من إعلان حزب الله تسليم السلاح إلى الحكومة، الاندماج التوافقي السياسي كحزب بلا جناح عسكري، إعطاء كل التفويض والتخويل للحكومة اللبنانية كمفاوض وحيد مع إسرائيل يتحدث باسم كل فصائل الشعب بعيداً عن أي انقسام سياسي أو ديني أو مذهبي، وهو الأمر الذي سيحمي لبنان من تقديم أي تنازلات في المفاوضات تحت ذريعة إسرائيل بعمليات حزب الله العسكرية، وأن يسير مع هذا على التوازي لجوء الحكومة اللبنانية إلى المحكمة الدولية لجرائم الحرب في لاهاي وتقديم ملف ارتكاب إسرائيل لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية من خلال الضربات التي وجهتها دوما للجنوب وللقرى اللبنانية وأسقطت خلالها ألاف الضحايا من المدنيين، وهوما سيعد ورقة للضغط المباشر على إسرائيل في المفاوضات .

 

مخاطر استمرار الوضع الراهن

في هذه الحالة ستقطع لبنان الطريق أمام إسرائيل في شأن حزب الله، ومن المؤكد أن تنفيذ الحكومة اللبنانية لهذا السيناريو الذي يبدو صعباً لكنه ليس مستحيلاً وذلك إذا أعلى حزب الله مصلحة الوطن عن أي مصلحة خاصة به كحزب يسعى دوماً لإثبات وجوده كرأس حربة للمقاومة بالإضافة لأسباب أخرى لا مجال هنا لذكرها، والأمر مفتوح وسهل لإنهاء هذا السيناريو الذي اطرحه فوراً إذا ما ثبت فشله أمام إسرائيل، وتأكدت النوايا الإسرائيلية الحقيقية تجاه لبنان، وتكشف تمسكها بعلة حزب الله لضرب لبنان والسعي لاحتلال أراضيه.
أما استمرار الوضع على ما هو عليه، فهو ينبئ للأسف بغزة جديدة بصورة أخرى ، وستظل ضبابية المشهد جاثمة على لبنان خاصة إذا لم تتم تسوية إقليمية مع إيران بمباركة أمريكية ، حيث ستظل أميركا الداعم القوي لإسرائيل في كل خطواتها تجاه لبنان شأنها شأن دعمها في الملف الفلسطيني خاصة قطاع غزة، وفي شأنها أيضاً مع إيران .

 

تجارب دولية مع الميليشيات المسلحة

ولا يفوتني التنويه إلى أن تجارب الدول التي سجلها التاريخ لوجود جماعات أو ميليشيات مسلحة لقوات غير نظامية وتعمل على التوازي مع القوات العسكرية النظامية أنما يحمل آثاراً سلبية عميقة على الأمن والاستقرار، آثار تتراوح ما بين الاندماج الناجح في المؤسسات العسكرية الوطنية، أو رفض الاندماج مع تزايد نفوذها السياسي والاقتصادي المستقل، وصولاً إلى فترات مطولة من النزاع المسلح والاضطرابات التي تسببه للدولة نفسها، وقد تدخل في صراع تنافسي مع سلطة الدولة بما يعصف بأمن واستقرار البلاد يضاف إلى ذلك تسببها في تفكك جبهة التفاوض الخارجي مع أي العدو وإضعافها .

واذكر على سبيل المثال لا الحصر الميليشيات الكاثوليكية والبروتستانتية التي كانت في أيرلندا الشمالية والتي تسبب في عقود من العنف والاضطرابات، حتى نجحت الحكومة البريطانية والأطراف المعنية في تطبيق اتفاقية الجمعة العظيمة (عام 1998)، والتي تضمنت نزع سلاح هذه الميليشيات (مثل الجيش الجمهوري الأيرلندي)، و تم دمج العديد من المقاتلين السابقين تدريجياً في المجتمع وبعض الهياكل المدنية، مما أنهى عقوداً من العنف والاضطرابات.

وفي كولومبيا ، كانت هناك حركة فارك المسلحة التي تعد نموذجا واضحاً على القوة العسكرية الموازية للقوة لنظامية، ولكن في عام 2016 تم عقد اتفاق سلام مع الحركة حيث تم تسريح آلاف المقاتلين وتسليم أسلحتهم إلى بعثة الأمم المتحدة تحولت الحركة لاحقاً إلى حزب سياسي، مع دمج بعض الأفراد في القوات النظامية أو برامج إعادة التأهيل الاقتصادية والاجتماعية.

وفي فيتنام قوات استعانت الدولة بقوات غير نظامية لتنفيذ حرب العصابات بشكل واسع النطاق ضد فرنسا والولايات المتحدة ، ولكن مع توحيد البلاد عام 1975، تم دمج “الفيت كونغ” ووحدات المقاتلين المحليين في جيش نظامي واحد وهو الجيش الشعبي الفيتنامي، لتوحيد القدرات العسكرية تحت قيادة الدولة حتى لا تشكل تلك القوات قلاقل أو تهديد لنظام الدولة أو تنافس في القوة مع القوات النظامية .

وفي الصومال صعدت الميليشيات المسلحة مع ضعف الدولة وأدى انهيار الحكومة المركزية في عام 1991 إلى صعود العديد من الميليشيات القبلية والعشائرية التي استولت على مقدرات الدولة من السلاح والثروات، و أدى هذا الانتشار الواسع للسلاح إلى فترات طويلة من غياب الاستقرار وتفشي الصراعات الداخلية وتنامي نفوذ “حركة الشباب” لاحقاً، مما جعل استعادة احتكار الدولة للسلاح تحدياً مستمراً حتى الوقت الراهن.

وفي السودان كان ولا يزال الوضع أسوأ، فقد استعان نظام الرئيس السابق البشير بميليشيات مسلحة من قبائل وعشائر لقمع التمرد في دارفور ، وبعد قمع التمرد توحشت هذه الميليشيات نفسها وخرجت عن النظام وبدأت تتصارع معه على السلطة والنفوذ، والأن نري ما تفعله هذه الميليشات في تحارب شرس مع قوات النظام نفسه.

أما أفغانستان، فخلال فترة الغزو السوفيتي في ثمانينيات القرن الماضي، قامت قوى إقليمية ودولية بتسليح ودعم “المجاهدين” (قوات غير نظامية) بشكل مكثف، وبعد انسحاب القوات السوفيتية، أدى هذا الانتشار الواسع للسلاح إلى صراعات داخلية دامية بين أمراء الحرب، ومهّد لاحقاً لصعود حركة طالبان وتشكيل تحديات أمنية عابرة للحدود.

ولبنان أيضا كانت تعاني منذ الأهلية (1975-1990) من فصائل وميليشيات متعددة تمتلك ترسانات عسكرية مستقلة، انتهت الحرب بـ اتفاق الطائف الذي نص على حل كافة الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، رغم ظل حزب الله وما يحمله من سلاح خارج إطار الدولة تحدياً استراتيجياً متأرجحاً لا يمنح لبنان نموذجاً جيداً لا في وحدة وتوافق الداخل ولا في مواجهة العدو الخارجي.

 

للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا 

للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا 

للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا 

للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا 

للمزيد من فيديوهات media maghreb  بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا 

للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا 

Share this content:

إرسال التعليق