الغموض في الشعر العربي

الغموض في الشعر العربي.. بين العمق الفني والتعقيد المفتعل

بقلم: اعمر سطايحي أقف وإياكم في هذه المساحة، أمام موضوع قديم متجدّد، لطالما خاضت في أقلام وبُسطت له صفحات، وهو ما يُعرف بظاهرة الغموض في الشعر العربيّ، قديمه وحديثه. على أن ننطلبق من إشكالية:
هل الغموض في الشِعر العربي، ظاهرة محمودة، أم مذمومة؟ وهي الإشكالية التي تتفرّع عنها أسئلة، من قبيل:
_ ما مفهوم الغموض في الشِعر؟
_ أتراها ظاهرة قديمة، أم مستحدثة؟
_ ما هي دواعي لجوء الشعراء، إلى الغموض؟
_ ما الفرق بين الغموض والإبهام؟
_ هل هناك تفاوت في الغموض، بين الشعراء؟
_ وهل هو ضرورة فنّية؟
_ كيف يُوفّق الشاعر، بين الوضوح والإيحاء؟
_ ماهي الحدود الفاصلة بين العمق والتعقيد؟
_ أيّهما أهم، المعنى أم الدهشة؟
_ ما مواقف النقاد، من هذه الظاهرة؟
_ وما موقف القارئ، من النصوص الغامضة؟
_ وما مفتاخ فكّ شفرات هذا الغموض؟
_ أخيرا، ماذا يمنخنا الغموض في الشِعر؟

وبانتقالنا من الإجمال، إلى التفصيل، تمثُل أمامنا الإجابة، عن الإشكالية الأم.

المفهوم الأدبي للغموض

هو تقنية فنّية، بأسلوب تعبيريّ، يعمد فيه الأديب، إلى إخفاء المعنى المباشر، باستخدام الرمز والأسطورة والصورالمكثّفة.. ويتّخذ أربعة أشكال؛
_ غموض لغويّ: حين تخرج الكلمة او العبارة، إلى أكثر من دلالة.
_ غموض الرمز والأسطورة: حين يستند الشاعر، إلى خلفيات معرفية، تاريخية، دينية، ثقافية، نفسية واجتماعية…
_ غموض التراكيب: كالتقديم والتأخير
_ غموض الرؤيا: وذلك بغياب الموضوع الظاهري، لصالح التعبير عن حالات نفسية وفلسفية.

الغموض في الشعر العربي القديم والحديث

ففي العصر العباسيّ، ظهرت مدريسة الصنعة اللفظية، التي إمامها أبو تمام. ولم يكن الغموض في الشعر، هو الإبهام والتعمية ( القصيدة لغز مُغلق)، إنّما كان يعني، طول التأمّل وعمق المعنى. ولعلّ سبب الغموض الشعريّ، يوعز إلى اتساع الفتوحات وتمازج الثقافات؛ من يونانية، فارسية، هندية وعربية. كما تأثر الشعراء بالتجريد الفلسفيّ والأخيلة المركّبة، بفعل الحياة الحضرية…

أمّا حديثا، فقد أخذ الغموض في الشعر، منحى مختلفا، عما كان عليه في القديم، لأنّ المحدَثين اصطدموا بعالم مهزوز ونكبات متتالية، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية ( نكبة سنة 1948)، كما وجد الشعراء أنفسهم،أمام سباق حضاريّ، كان ولابدّ أن ينفتحوا على آداب وثقافات الغرب. هنا عاش الشعراء الحزن والألم، نتيجة الإنتكاسات وانقلاب منظومة القيم.. هذه العوامل عجّلت بظهور مدرسة الحداثة، في الشعر العربيّ. وهي المدرسة التي أرست دعائمها مجلّة “شِعر” اللبنانية (1957)، على يد الشاعر يوسف الخال، والتي كانت علامة فارقة، في تأسيس حداثة الشعرية العربية، حيث كرّست قصيدة النثر وحررت الشعر من الأوزان والقوافي والقوالب القديمة، ومن أقطابها، نذكر أنس الحاح، محمد الماغوط، خليل حاوي وأدونيس…

وهي المدرسة، التي أعادت توظيف صياغة التجربة الإنسانية الحديثة، بتوظيف الرمز والأسطورة، كما أعرضت عن الصور البيانية التقليدية، ووظفت الصور الشعرية؛ البصرية، السمعية، الشمّية، اللمسية والذوقية.

دواعي الغموض في الشعر

هي ثلاثة عوامل:
_ فنّية: متمثّلة في الرغبة، في تحرر اللغة من قيود المعاجم التقليدية، وخلق معجم يناسب قصيدة النثر.
_ نفسية: وذلك عندما إنتابت الشعراء أجواء نفسية؛ منها الحزن والقلق والضياع…
_ فكرية فلسفية: فشعراؤنا تأثروا بالمدارس الأدبية الغربية، خاصة الرمزية والسريالية، فهم انفتحوا على الآداب ولفلسفات والأساطير، ثم طبقوها في “النثيرة”.

الفرق بين الغموض والإبهام

هل هناك فرق بين الغموض والإبهام؟

الغموض كلمة أو عبارة، لهما أكثر من محمول دلاليّ، بينما الإبهام، هو إستغلاق المعنى، ومعه يصعب على القارئ، إدراك المعنى المراد. فالإبهام عيب، في حين يكون الغموض إيجابيا وسلبيا. فالإيجابيُ إيحاء وعمق، حين يتجاوز التقريرية والخطابية، إلى لغة مجازية، تتعدّد دلالاتها، وهو ما يترك في ذهن المتلقيّ دهشة، تدفعه إلى التأمّل ومشاركة الشاعر، في فكره وشعوره.

أما الغموض السلبيّ، فيحصل حين يفقد الشاعر وظيفته التواصلية ( التعمية)، فيلجأ إلى الإفتعال؛ ليُخفي عجزا في التعبير، أو فقرا في الخيال.

تفاوت الغموض بين الشعراء

هل هناك تفاوت بين الشعراء في درجة الغموض؟

أكيد يوجد تفاوت، ومرد ذلك إلى:
_ التجربة الشعرية الغزيرة، تقابلها تجربة شعرية متواضعة.
_ إختلاف العوامل الإجتماعية والنفسية، فهناك فئة من الشعراء، يعيشون في أبراج عاجية، وهم الذين لا يهمهم القارئ، لأنهم سرياليون(يكتبون لأجل(المتعة) وهناك فئة ما يعرف ب” الفن لأجل الفن”، مذهبها الإلتزام، وهم الذين يحلمون ويتألمون، لأحلام وآمال الآخرين..فهذه الفئة، لا تحبّ الغموض. إضافة إلى الزاد المعرفي والثقافي، الذي يختلف من شاعر إلى آخَر…

هل الغموض في الشعر ضرورة فنّية؟

فهل الغموض في الشعر، ضرورة فنّية؟

نعم قد يكون الغموض ضرورة فنية، تقتضيها التجربة الشعرية العميقة، التي تجعل الشاعر، يصارع زخما من الأخيلة والثقافات والفلسفات.. هنا تنطبع نصوصه بالغموض، وهو غير مخيّر، بل مُرغم، تحت وطأة تزاحم الأفكار والمعارف والعلوم والثقافات..

التوفيق بين الوضوح والإيحاء

فإلى أيّ حد، يستطيت الشاعر التوفؤيق بين الوضوح والإيحاء؟

إنّ الوضوح والإيحاء، سمتان شعريتان، لا غنىً عنهما لشاعر يبتغي من شعره رسالة، سياسية أو إجتماعية أو إنسانية.. وهما سمتان متكاملتان؛ فحضور إحداهما وغياب الأخرى، يقلل من الجمالية الفنية، خاصة في ذهن القارئ العادي.. فالشعراء المهجريون، جمعوا بين الوضوح والإيحاء، وهو ما يجعل المتلقي، يستحسن ذلك الشعر… وهذا يقودنا إلى:

الحدود الفاصلة بين العمق الفني والتعقيد المفتعل

ما الحدود الفاصلة بين العمق الفنّي والتعقيد المفتعل؟

إنّ ثنائية العمق والتعقيد، لا تجتمعان في قصيدة واحدة، ذلك أنّ إشباع الأفكاري والمعاني بخاصية العمق الفني، تغني الشاعر عن اللجوء إلى التعقيد المفتعل. وهنا نمثّل بثلاث شعراء، من مدارس مختلفة ومتباعدة؛ فالمتنبي رغم تعمّقه، كان شديد الوضوح، بعيدا عن التعقيد. ومحمود درويش، في كثير من نصوصه الشعرية التركيبية، دائما يترك نوافذ شعورية، يتسلل منها نور الفهم والتفاعل والإعجاب، بينما علي سعيد ( أدونيس)، فإن نصوصه الشعرية، موغلة في التعقيد، بعيدة عن الوضوح؛ فهو يرى اللغة الشعرية الحداثية، إنحرافا عن المعنى، لأنها لغة الإثارة، وأنّ اللغة العادية (اللاشعرية)، فهي لغة الإيضاح.

المعنى أم الدهشة؟

وهو ما يجرنا إلى التساؤل: أيّهما أهم، المعنى أم الدهشة؟ هنا يكون المعنى اسبق من الدهشة، لأننا أمام سببية (المعنى)، ومسببية (الدهشة)، ومادام بينهما هذا التكامل والإرتباط، فكلاهما مهم، لكن إذا كان المعنى سطحيا أو مبتذلا، فلن تحصل الدهشة عند القارئ.

مواقف النقاد من الغموض في الشعر

وإذا غادرنا الشعراء والقراء، وانتقلنا إلى النقاد، فإنّ لهم مواقفهم من ظاهرة الغموض في الشعر؛ فقديما كان النقاد كالآمديّ، القاضي جرجاني، أبو هلال العسكريّ وحامد القرطاجنيّ.. يركّزون على الجانب الحسّيّ، في الغموض، الذي يُدرَك بالحواس والعقل.

ومن ثَمّ رفضوا كل تعقيد وتعمية، لكنّهم ثمّنوا الغموض الفنّيّ، القائم على عمق المعنى…

أما حديثا، ولأنّ النقاد كالشعراء، عاشوا حالات من الإضطراب والتخبّط، بين إقدام وإحجام، في تعاملهم مع ظهور أنماط شعرية جديدة، عمّقت إشكالية الغموض الشعريّ. ونسوق هنا، ثلاثة نماذج نقدية:

_ نازك الملائكة: وهي لم تُفرّق بين الغموض والإبهام، حين رأت الإبهام سمة أساسية بارزة، لا يمكن الإستغناء عنها.
_ عز الدين إسماعيل: وقف في صف الغموض، فخصّص فصلا في كتابه “الشعر العربيّ المعاصر” للغموض، واعتبره خاصية قارة وملازمة للشعر، بل هو نقطة فاصلة بين الشعر واللاشعر.
_ أدونيس: إنحاز إلى التعقيد الموغِل، المثقل بالرموز والأساطير والفكر الفلسفي.. واعتبر الوضوح سمة في اللغة العادية، لا اللغة الشعرية…

القارئ أمام الغموض في الشعر

فما المحل الإعرابيّ للقارئ، من الغموض في الشعر؟

على العموم، قد أصبح الغنموض في الشعر الحديث، وبالأخص في قصيدة النثر، مُنفّرا للقارئ، خاصة إذا كان عاديا وقليل الزاد. فيكون في وضع، عبّر عنه الشاعر السودانيّ” إدريس جماع”، في قوله:

إنّ حظي كدقيق، فوق شوك نثروه
ثم قالوا لحفاة، يوم ريح إجمعوه
صعُب الأمر عليهم، ثم قالوا أتركوه
إنّ مَن أشقاه ربي، كيف أنتم تُسعدوه.

هل الغموض سر خلود الشعر؟

وليس صحيحا، أنّ الغموض، يجعل الشعر خالدا، فشعر الرابطة القلمية المهجرية، لا غموض فيه، وبقي خالدا، وقد مضى عليه ما يقارب قرنا، كذلك ديوان “أغاني الحياة” لأبي القاسم الشابيّ، غاية في الوضوح والجمالية الفنية، بعيد عن الغموض، ومع ذلك بقيت قصائده خالدة.

مفتاح قفل الغموض في الشعر

السياق الثقافي، الذي نقصد به، كلّ ثراث لا ماديّ وعلوم يغترف منها الشاعر، ومدارس أدبية وفنّية، هو زاد الشاعر في غموض نصوصه. ولفك شفرات هذا الغموض، من طرف قارئ تلك الأشعار، عليه هو الآخَر، أن يتسلُح، بذلك السياق الثقافي، ولو كان قليلا، وذلك هو مفتاح قفل الغموض. على أن يبقى الفكّ مجرد تأويلات، لأنّ الشعر زئبقي، يصعب الإمساك بمراميه وأبعاده.

ماذا يمنحنا الغموض الشعري؟

أخيرا، ماذا يمنحنا الغموض الشعريّ؟

ونقصد _ هاهنا _ الغموض الإيجابيّ، الذي سبقت الإشارة إليه. فهو يمنحنا، استحضار ترسانة، من الأدوات المعرفية والثقافية والعِلمية، كما يمنحنا تنشيط فكرنا، وتيقظ شعورنا، حتى نشارك الشاعر رؤاه وأفكاره وخياله.. وبذلك تنجلي ضبابية الغموض الشعري.

 

للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا 

للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا 

للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا 

للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا 

للمزيد من فيديوهات media maghreb  بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا 

للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا 

Share this content:

إرسال التعليق