المجلس الشعبي الوطني في الجزائر.. حزمة قوانين تعيد رسم المشهد التشريعي بين الإصلاح المؤسسي وتشديد الردع

دخل المجلس الشعبي الوطني الجزائري مرحلة تشريعية جديدة خلال عام 2026، حملت معها مجموعة من الملفات القانونية ذات الصلة المباشرة بتنظيم مؤسسات الدولة، وإدارة المجال الاقتصادي، وضبط الحياة السياسية، وتعزيز المنظومة القضائية والأمنية. وتكتسب هذه التحركات أهمية تتجاوز الإطار الداخلي، بالنظر إلى موقع الجزائر في المغرب العربي وصلاتها السياسية والاقتصادية والأمنية مع دول الساحل الإفريقي وامتدادها داخل قارة إفريقيا.

وفي أحدث جلساته، صوّت المجلس الشعبي الوطني في 1 أكتوبر 2026 على قانون القضاء العسكري، كما صوّت على مشروع القانون المعدل والمتمم لقانون العقوبات، في جلسة ترأستها رئيسة المجلس الشعبي الوطني خليدة بوفدش. ويأتي ذلك بعد أسابيع قليلة من افتتاح العهدة التشريعية العاشرة، وهو ما يجعل هذه النصوص من أبرز الملفات التي دشنت بها المؤسسة التشريعية الجديدة نشاطها.

قانون العقوبات.. تشديد الإطار الجزائي في مواجهة جرائم محددة

كان قانون العقوبات في مقدمة الملفات التي استحوذت على اهتمام المجلس الشعبي الوطني في الأيام الأخيرة، بعدما ناقش النواب مشروع تعديل الأمر رقم 66-156 المتضمن قانون العقوبات، قبل التصويت عليه في الأول من أكتوبر.

وتضمن النص الذي صادق عليه المجلس أحكاماً جديدة تتعلق بالحرائق المرتكبة عمداً وبحماية الأطفال من جرائم الاختطاف، حيث أقر النص تنفيذ عقوبة الإعدام في الحالات التي حددها القانون بالنسبة لمرتكبي الحرائق عمداً واختطاف الأطفال وفق الأحكام الجديدة. كما تناولت المناقشات تعزيز الحماية الجزائية للأطفال ومراجعة الأحكام المرتبطة بالإضرام العمدي للحرائق.

وتكشف مناقشة هذا القانون عن اتجاه تشريعي يركز على تطوير أدوات الردع الجنائي في مواجهة جرائم تعتبرها السلطات ذات تأثير مباشر على الأمن العام وحماية الأشخاص والممتلكات. وفي سياق المغرب العربي والساحل الإفريقي، حيث تمثل مكافحة الجريمة العابرة للحدود وحماية المجتمعات وتعزيز قدرة المؤسسات على تطبيق القانون ملفات متداخلة مع قضايا الأمن والتنمية، فإن تحديث التشريعات الوطنية يظل جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء الأطر القانونية القادرة على التعامل مع أنماط إجرامية متغيرة.

القضاء العسكري.. تحديث الإطار القانوني للمنظومة القضائية

وفي الجلسة نفسها، صادق النواب بالإجماع على مشروع قانون يتضمن الموافقة على الأمر رقم 26-01 المتضمن قانون القضاء العسكري. ويأتي النص في إطار تحيين المنظومة القانونية المنظمة للقضاء العسكري، بعدما عرض وزير العدل حافظ الأختام مضمون المشروع أمام النواب.

وبحسب المعطيات الرسمية المرتبطة بالنص، يرتبط الإصلاح بتعزيز الإطار القانوني للقضاء العسكري وتحديث إجراءاته، مع التأكيد على طبيعته كقضاء جزائي متخصص وممارسته وفق مبادئ المحاكمة العادلة واحترام الحقوق والكرامة الإنسانية. كما أُشير إلى أهمية رقمنة الإجراءات القضائية ضمن مسار تحديث العدالة.

ويكتسب هذا المسار أهمية في الجزائر باعتبارها دولة محورية في المغرب العربي وفاعلاً أساسياً في ملفات الأمن الإقليمي في الساحل الإفريقي، وهي منطقة تتطلب بصورة متزايدة تطوير المؤسسات الوطنية والأطر القانونية المرتبطة بمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب والتهريب وحماية الحدود، مع الحفاظ على الأطر القانونية المنظمة لاختصاصات المؤسسات المختلفة.

خمسة قوانين في جلسة واحدة.. السياسة والإدارة والمرور والمالية

ولم تكن جلسة أكتوبر هي الوحيدة التي شهدت تمرير نصوص تشريعية مهمة خلال 2026. ففي 9 مارس، صادق المجلس الشعبي الوطني على مجموعة من النصوص شملت القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية، وقانون التنظيم الإقليمي للبلاد، وقانون المرور، وقانون تسوية الميزانية لسنة 2023، إضافة إلى الأحكام محل الخلاف في قانون تجريم الاستعمار الفرنسي وقانون المرور، بعد معالجة الخلافات بين غرفتي البرلمان.

ويمثل اجتماع هذه الملفات في دورة تشريعية واحدة مؤشراً على اتساع أجندة المجلس، التي لم تقتصر على قطاع محدد، وإنما شملت تنظيم الحياة السياسية، وإعادة ترتيب الإدارة الإقليمية، وضبط حركة المرور، ومراقبة تنفيذ الميزانية، إلى جانب ملفات ذات أبعاد تاريخية وقانونية.

قانون الأحزاب السياسية.. تنظيم الحياة الحزبية والشفافية المالية

صادق المجلس الشعبي الوطني في مارس 2026 على القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية، بعد مناقشات داخل اللجنة المختصة وإدخال تعديلات على عدد من مواده.

ويركز القانون على قواعد تتصل بالشفافية في التسيير المالي للأحزاب، كما تضمن أحكاماً توسع مجالات إسهام الأحزاب في الشأن العام، بما في ذلك تقديم المقترحات والآراء المتعلقة بالسياسات العمومية. كما تناولت مناقشات اللجنة موضوع المؤتمرات التأسيسية وآليات انتخاب الأجهزة التنفيذية، إلى جانب تعزيز مشاركة الشباب والمرأة في الحياة الحزبية وفق ما ورد في الوثائق البرلمانية.

وتكتسب القواعد المنظمة للعمل الحزبي أهمية خاصة في سياق إعادة ترتيب المؤسسات السياسية، ليس فقط داخل الجزائر، وإنما في بيئة المغرب العربي التي تشهد نقاشات متواصلة حول تحديث الإدارة السياسية وتعزيز المؤسسات المنتخبة. كما يمثل استقرار المؤسسات السياسية عاملاً مهماً في قدرة الدول على صياغة سياسات طويلة المدى في ملفات الاقتصاد والأمن والتنمية التي ترتبط بصورة مباشرة بالتحولات في الساحل الإفريقي وقارة إفريقيا.

إعادة رسم الخريطة الإدارية.. 11 ولاية جديدة

ومن أبرز القوانين التي صادق عليها المجلس الشعبي الوطني في مارس أيضاً قانون التنظيم الإقليمي للبلاد، الذي تضمن ترقية 11 مقاطعة إدارية إلى ولايات كاملة الصلاحيات.

وشملت الولايات الجديدة أفلو، بريكة، القنطرة، بئر العاتر، العريشة، قصر الشلالة، عين وسارة، مسعد، قصر البخاري، بوسعادة، والأبيض سيدي الشيخ. ويستهدف التعديل، وفق المعطيات الرسمية، تقريب الإدارة من المواطنين وتحسين الخدمات العمومية وتحقيق توازن أكبر في التنمية الإقليمية.

ولا تبدو أهمية هذا القانون محصورة في الجانب الإداري، إذ إن إعادة تنظيم المجال الإقليمي ترتبط كذلك بإدارة الموارد، وتحسين الخدمات، ودعم الاستثمار، وربط المناطق الداخلية بالمراكز الاقتصادية والإدارية. وهذه القضية تكتسب أهمية إضافية بالنسبة إلى الجزائر التي تمتد جغرافياً نحو فضاءات الساحل الإفريقي، حيث تتداخل التنمية المحلية مع قضايا الحدود والنقل والتجارة والأمن والتنمية المستدامة.

13-1 المجلس الشعبي الوطني في الجزائر.. حزمة قوانين تعيد رسم المشهد التشريعي بين الإصلاح المؤسسي وتشديد الردع

قانون المرور.. إعادة ضبط العلاقة بين المخالفة والعقوبة

كما صادق المجلس الشعبي الوطني على قانون المرور بعد معالجة الأحكام محل الخلاف بين غرفتي البرلمان. ومن أبرز التعديلات التي أشارت إليها المعطيات الرسمية إزالة الطابع الجنائي عن بعض مخالفات المرور ومراجعة العقوبات والغرامات بما يحقق توازناً بين الردع والعدالة الاجتماعية.

ويأتي هذا القانون في إطار تحديث قواعد السلامة المرورية وحماية الأرواح والممتلكات، وهو ملف له انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة، خصوصاً في دولة ذات مساحة جغرافية واسعة وتنوع كبير في شبكات الطرق، فضلاً عن دورها في حركة النقل بين المغرب العربي وعمقها الإفريقي وممرات التجارة المتجهة نحو الساحل الإفريقي.

الأنشطة التجارية.. التشريع في خدمة بيئة الأعمال

وفي 29 أبريل 2026، صادق المجلس الشعبي الوطني على مشروع القانون المعدل والمتمم للقانون المتعلق بشروط ممارسة الأنشطة التجارية. وركزت التعديلات على تحديث الإطار القانوني للنشاط التجاري وتعزيز الشفافية والرقابة وضبط المعاملات الاقتصادية.

وتضمن النص تدابير تستهدف تبسيط بعض الإجراءات الإدارية ومرافقة المستثمرين، مع تأهيل ممثلي المركز الوطني للسجل التجاري على مستوى الشبابيك الوحيدة للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، بما يسمح بتسريع معالجة الملفات وتسهيل الإجراءات المرتبطة بالسجل التجاري.

كما ارتبط النقاش البرلماني بمسائل النزاهة والامتثال ومكافحة الجرائم المالية وتكييف البيئة التشريعية مع المعايير الدولية، وهي عناصر تتزايد أهميتها في اقتصادات المغرب العربي وإفريقيا مع توسع التجارة الإقليمية والحاجة إلى تحسين مناخ الاستثمار والحد من الاقتصاد غير الرسمي.

قانون المالية 2026.. الاستثمار والقدرة الشرائية والقطاعات الواعدة

وقبل بداية العهدة التشريعية العاشرة، كان قانون المالية لسنة 2026 من أبرز الملفات الاقتصادية التي ناقشها المجلس الشعبي الوطني. فقد صوّت النواب على المشروع في 18 نوفمبر 2025، بعد مناقشات داخل لجنة المالية والميزانية ودراسة مقترحات تعديلية قدمها النواب.

وشملت التعديلات التي أُقرت تدابير مرتبطة بالسوق والقدرة الشرائية، إلى جانب تحفيزات مرتبطة بالمؤسسات الناشئة ومناطق النشاطات المصغرة وتشجيع الاستثمار، فضلاً عن توجيه الاهتمام إلى قطاعات اعتبرت واعدة، من بينها الطاقات المتجددة.

ويحمل هذا الجانب الاقتصادي أهمية خاصة بالنسبة إلى موقع الجزائر في المغرب العربي وقارة إفريقيا، حيث تمثل قطاعات الطاقة والصناعة والفلاحة والاستثمار والبنية التحتية محاور أساسية في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً، وكذلك في تعزيز الروابط التجارية مع دول الساحل الإفريقي والأسواق الإفريقية.

تسوية الميزانية.. البرلمان في موقع الرقابة على المال العام

ومن الملفات اللافتة كذلك قانون تسوية الميزانية لسنة 2023، الذي ناقشه المجلس الشعبي الوطني قبل المصادقة عليه في مارس 2026. وتبرز أهمية هذا النوع من القوانين في كونه أداة رقابية تسمح للبرلمان بالنظر في كيفية تنفيذ الميزانية ومطابقة الإيرادات والنفقات للأحكام التي سبق إقرارها.

وقد سبقت عملية التصويت مناقشات داخل لجنة المالية والميزانية، تضمنت الاستماع إلى مجلس المحاسبة ومناقشة قضايا مرتبطة بتنفيذ الميزانية وتحصيل الإيرادات وتقييم استخدام الموارد العمومية. ويعكس ذلك انتقال العمل البرلماني من مجرد المصادقة على الاعتمادات إلى متابعة كيفية تنفيذها والبحث في كفاءة استخدام المال العام.

التشريع الجزائري بين الداخل والامتداد الإفريقي

وبقراءة مجمل الملفات التي ناقشها وصادق عليها المجلس الشعبي الوطني خلال هذه المرحلة، يمكن ملاحظة تداخل واضح بين ثلاثة مسارات: تحديث المؤسسات، وضبط الإطار القانوني للنشاط الاقتصادي والاجتماعي، وتشديد أدوات الردع والحماية القانونية.

ولا يعني ذلك أن هذه القوانين موجهة مباشرة إلى ملفات الساحل الإفريقي أو المغرب العربي أو قارة إفريقيا، فهي في الأساس تشريعات وطنية جزائرية؛ غير أن آثارها المؤسسية والاقتصادية والأمنية تتصل بطبيعة موقع الجزائر في هذه الأقاليم. فقانون التنظيم الإقليمي يرتبط بالتنمية المحلية، وقوانين الاقتصاد ترتبط بجاذبية الاستثمار والتجارة، بينما تتصل قوانين العقوبات والقضاء والمرور بجوانب من الأمن وسيادة القانون.

وفي بيئة إقليمية تتشابك فيها قضايا الأمن والتنمية والطاقة والنقل والتجارة، يصبح تحديث التشريعات الوطنية جزءاً من قدرة الدول على التعامل مع التحولات التي تشهدها إفريقيا، وفي مقدمتها منطقة الساحل الإفريقي التي تواجه تحديات أمنية وتنموية متداخلة.

العهدة التشريعية العاشرة.. بداية جديدة بأجندة قانونية واسعة

وتأتي هذه التحولات في وقت بدأ فيه المجلس الشعبي الوطني عهدته التشريعية العاشرة، بعدما انتُخبت خليدة بوفدش رئيسة للمجلس في يوليو 2026، ثم افتُتحت دورة البرلمان العادية 2026-2027 في سبتمبر. وتُظهر الوثائق البرلمانية الرسمية أن المؤسسة التشريعية الجديدة بدأت نشاطها وسط ملفات قانونية وإدارية متواصلة من العهدة السابقة، إلى جانب مشاريع تشريعية جديدة.

ومع التصويت على قانوني العقوبات والقضاء العسكري في الأول من أكتوبر، تبدو الأجندة التشريعية الجزائرية أمام مرحلة تركز بصورة واضحة على تحديث المنظومة القانونية وتعزيز المؤسسات والرقابة وتنظيم النشاط الاقتصادي، بالتوازي مع استمرار الملفات المرتبطة بالإدارة والانتخابات والحياة السياسية.

وفي المحصلة، فإن مسار المجلس الشعبي الوطني الجزائري خلال 2026 يقدم صورة عن مرحلة تشريعية واسعة النطاق، امتدت من قوانين الاقتصاد والاستثمار والمالية إلى إعادة التنظيم الإداري، مروراً بقواعد الحياة الحزبية والانتخابات والمرور، وصولاً إلى القضاء والعقوبات. وبالنسبة إلى موقع الجزائر داخل المغرب العربي وارتباطها بفضاءات الساحل الإفريقي وقارة إفريقيا، فإن استقرار الإطار التشريعي وتحديث المؤسسات يمثلان عنصرين مهمين في إدارة ملفات التنمية والتجارة والأمن والتعاون الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.

 

 

للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا 

للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا 

للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا 

للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا 

للمزيد من فيديوهات media maghreb  بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا 

للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا 

Share this content:

إرسال التعليق