القهوة.. رحلة عالمية من المزرعة إلى الفنجان
لا تبدأ حكاية فنجان القهوة عند المائدة، ولا تنتهي عند الرشفة الأخيرة، بل تمتد جذورها إلى التربة والمياه والحقول، وإلى خبرات المجتمعات الزراعية التي توارثت زراعة البن وطرق إنتاجه عبر أجيال متعاقبة. وبين المزرعة والمقهى والمنزل، تمر القهوة برحلة طويلة تتداخل فيها الزراعة والعمل والتجارة والصناعة والاستهلاك، لتصبح في الوقت نفسه عادة يومية راسخة، وتراثًا ثقافيًا حيًا، ومصدرًا للدخل لملايين الأسر حول العالم.
وتبرز هذه الجوانب مع الاحتفال بـيوم القهوة العالمي في الأول من أكتوبر، وهي مناسبة أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة اعترافًا بالأهمية العالمية للبن وبإسهامات الأشخاص والمجتمعات الذين يقفون خلف إنتاجه.
وتعكس المناسبة اتساع نطاق قطاع البن وتشابك حلقاته، من المزارعين والعمال إلى شركات التجهيز والتجارة والتحميص والبيع بالتجزئة والمستهلكين، فضلًا عن ارتباطه بقضايا الاستدامة والبيئة والعدالة الاقتصادية.
البن في قلب التجارة العالمية
يُعد البن من أبرز المنتجات المدارية تداولًا في العالم، فيما تحتل القهوة مكانة متقدمة بين أكثر المشروبات استهلاكًا عالميًا. ويعتمد إنتاج البن بصورة كبيرة على الأسر الزراعية الصغيرة في البلدان النامية، إذ تنتج ما يصل إلى 25 مليون أسرة زراعية نحو 80 في المائة من البن العالمي.
وتتصدر البرازيل وفييت نام وكولومبيا قائمة الدول المنتجة للبن، بينما يمثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية أكبر أسواق الاستيراد والاستهلاك، الأمر الذي يجعل القطاع جزءًا مهمًا من حركة التجارة العالمية وعلاقات الإنتاج والاستهلاك بين مختلف مناطق العالم.
وتكشف هذه الأرقام عن شبكة اقتصادية واسعة تقف خلف المنتج الذي يصل إلى المستهلك في صورة فنجان قهوة، حيث تبدأ العملية في مناطق الإنتاج الزراعي قبل أن تنتقل عبر مراحل متعددة تشمل الحصاد والتجهيز والتجارة والتحميص والتوزيع والبيع.
نمو الطلب وتفاوت المكاسب
يشهد الطلب على القهوة استمرارًا في النمو، إلا أن توسع السوق لا يعني بالضرورة توزيع العوائد بصورة متساوية بين مختلف أطراف سلسلة القيمة.
فاضطرابات الأسواق وارتفاع تكاليف الإنتاج والتفاوت في توزيع الدخل بين حلقات السلسلة يمكن أن تضع صغار المنتجين أمام مخاطر اقتصادية كبيرة، في الوقت الذي قد يحصلون فيه على حصة محدودة من القيمة التي تنشأ نتيجة أعمالهم وجهودهم.
وتتزايد أهمية هذه القضية مع اعتماد جزء كبير من إنتاج البن العالمي على المزارع الصغيرة، التي يتعين على أصحابها مواجهة تقلبات الأسعار والتغيرات المناخية وارتفاع تكاليف المدخلات، إلى جانب التحديات المرتبطة بالوصول إلى الأسواق والتمويل والخدمات الفنية.
ومن هنا تبرز أهمية بناء قطاع أكثر إنصافًا وقدرة على الصمود، بحيث لا تقتصر الاستدامة على الجوانب البيئية، وإنما تشمل كذلك ظروف العمل وسبل العيش وتوزيع القيمة داخل القطاع.
الأمم المتحدة تعتمد يومًا دوليًا للقهوة
وفي إطار الاعتراف بالدور العالمي للبن وبإسهامات العاملين والمنتجين والمجتمعات المرتبطة به، قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بموجب قرارها 248/80، إعلان الأول من أكتوبر يومًا دوليًا للبن.
ودعا القرار الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني والشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية وقطاع الأعمال والأوساط الأكاديمية وسائر الجهات المعنية إلى تبادل المعارف والعمل على النهوض بقطاع البن، بما يجعله أكثر إنصافًا وقدرة على الصمود والاستدامة.
ويمنح يوم القهوة العالمي فرصة لتسليط الضوء على مختلف حلقات القطاع، وليس فقط على المنتج النهائي الذي يستهلكه ملايين الأشخاص يوميًا، بل أيضًا على المزارعين والعمال والمعارف المحلية والموارد الطبيعية التي تجعل إنتاج البن ممكنًا.
القهوة جزء من التراث والثقافة
ولا يقتصر حضور القهوة على الاقتصاد والتجارة، إذ ارتبط إنتاجها في العديد من المناطق بتشكيل المناظر الطبيعية وبناء أنماط من الحياة والتقاليد الثقافية.
ويقدم «المشهد الثقافي للقهوة في كولومبيا»، المدرج ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، مثالًا على العلاقة بين زراعة البن والمناظر الطبيعية وسبل العيش والتقاليد الثقافية الحية.
ويكشف هذا النموذج عن قدرة محصول زراعي على التأثير في هوية المجتمعات وتكوين بيئاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما يجعل الحديث عن القهوة أوسع من مجرد الحديث عن سلعة زراعية أو مشروب واسع الانتشار.
رحلة تبدأ من البذور والتربة
تبدأ رحلة القهوة من البذور والتربة والمياه، ومن المزارعين الذين طوروا عبر الأجيال خبرات ومعارف مرتبطة بالزراعة والبيئة المحلية.
وتتأثر إنتاجية البن وجودته بمجموعة من العوامل، من بينها طبيعة الظروف الزراعية المحلية، وصحة النظم الإيكولوجية، وجودة الممارسات الزراعية المتبعة.
وفي المقابل، يواجه المنتجون تحديات متزايدة تشمل تغير أنماط هطول الأمطار ودرجات الحرارة، وانتشار الآفات وأمراض النباتات، وتدهور التربة، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج.
ولهذا يرتبط تحقيق يوم القهوة العالمي بأهمية وضع معارف المزارعين وخبراتهم وسبل عيشهم، إلى جانب صحة النظم الإيكولوجية المحلية، في صميم القرارات المتعلقة بمستقبل القطاع.
الزراعة والحصاد.. جهد بشري متواصل
يزرع جزء كبير من البن العالمي في مزارع صغيرة نسبيًا، وتتطلب عمليات الزراعة والحصاد مهارات وخبرة وعناية وجهدًا بشريًا كبيرًا.
ولا تكتمل استدامة سلسلة قيمة القهوة من دون الاهتمام بالعمال الذين يشاركون في مراحل الإنتاج، وضمان السلامة والصحة المهنية، وتوفير فرص عمل منصفة، واحترام حقوق العاملين.
وفي عام 2023، تعاونت المنظمة الدولية للبن ومنظمة العمل الدولية في الاحتفاء باليوم الدولي للبن من خلال الدعوة إلى تعزيز السلامة والصحة في العمل على امتداد سلسلة إمداد البن.
ويؤكد ذلك أن الحديث عن مستقبل القطاع لا يرتبط فقط بحجم الإنتاج والأسعار، وإنما يشمل كذلك ظروف العمل وحقوق الأشخاص الذين يساهمون في وصول البن من الحقول إلى الأسواق.
التجهيز يحدد الجودة والقيمة
بعد انتهاء مرحلة الحصاد، تبدأ عمليات تجهيز ثمار البن، التي تشمل التجفيف والفرز والإعداد للوصول إلى الأسواق.
وتؤثر القرارات المتخذة خلال هذه المرحلة في عدد من الجوانب، من بينها جودة المنتج واستخدام المياه وحجم المخلفات وتكاليف الإنتاج والسعر الذي يمكن أن يحصل عليه المنتجون.
وقد يواجه المزارعون صعوبات في تحسين الجودة وتقليل الفاقد والوصول إلى الأسواق الأعلى قيمة بسبب نقص البنية الأساسية الملائمة، أو محدودية التمويل، أو الحاجة إلى الخبرة الفنية، أو ضعف التنظيمات التي تمثل المنتجين.
ومن ثم، فإن تطوير هذه المرحلة يمثل جزءًا مهمًا من الجهود الرامية إلى زيادة القيمة التي يمكن أن يستفيد منها المنتجون، وتحسين كفاءة استخدام الموارد وتقليل الفاقد.
التجارة.. انتقال البن عبر الحدود
قبل وصول القهوة إلى المستهلك النهائي، تمر حبوب البن عبر منشآت متعددة، وقد تعبر حدود عدد كبير من الدول خلال رحلتها من مناطق الإنتاج إلى الأسواق.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن جزءًا كبيرًا من البن العالمي يتم تصديره في مرحلة مبكرة من سلسلة القيمة، بينما تُنفذ نسبة مهمة من عمليات التحميص وبناء العلامات التجارية وغيرها من الأنشطة التي تضيف قيمة خارج البلدان المنتجة.
وتكشف هذه المرحلة عن أحد أبرز جوانب التفاوت في سلسلة القيمة، إذ يمكن أن تنتقل أجزاء كبيرة من القيمة الاقتصادية إلى مراحل لاحقة من السلسلة بعيدًا عن المناطق التي تم فيها إنتاج المحصول.
كما أن الاختلالات بين العرض والطلب، إلى جانب تفاوت توزيع الدخل، قد تجعل صغار المنتجين أكثر تعرضًا لتقلبات الأسواق والهشاشة الاقتصادية.
التحميص والبيع والاستهلاك
تصل حبوب البن بعد ذلك إلى مراحل التحميص والتوزيع والبيع بالتجزئة، قبل أن تنتهي الرحلة في المقاهي والمنازل وأماكن الاستهلاك المختلفة.
ويشارك في هذه المنظومة المحمصون والتجار وبائعو التجزئة والمقاهي والمستهلكون، وهو ما يجعل المسؤولية موزعة بين أطراف متعددة ومترابطة.
ويمكن لتعزيز الشفافية والتعاون أن يساعد المستهلكين على معرفة مصدر القهوة وكيفية إنتاجها والمجتمعات التي ساهمت في وصولها إلى الأسواق.
وفي المقابل، تبرز أهمية التحقق من الادعاءات المتعلقة بالاستدامة والمنافع التي تعود على المنتجين، بحيث تستند هذه الادعاءات إلى أدلة موثوقة ومعلومات قابلة للتحقق، وليس إلى الرسائل التسويقية وحدها.
من مخلفات القهوة إلى موارد جديدة
لا تنتهي رحلة القهوة بمجرد استهلاك المشروب، إذ تظل هناك مخلفات ومنتجات ثانوية ناتجة عن مختلف مراحل الإنتاج والاستخدام.
وتشمل هذه المنتجات قشور البن ولبّه ومياه الصرف وثفل القهوة وغيرها من المواد التي يمكن أن تمثل عبئًا على المجتمعات والنظم الإيكولوجية إذا لم تتم إدارتها بصورة مناسبة.
وفي المقابل، تسعى الأساليب القائمة على تدوير الموارد إلى الحد من الهدر والاستفادة من المنتجات الثانوية الملائمة وتحويلها إلى مواد أو مدخلات زراعية أو مصادر للطاقة وموارد أخرى ذات قيمة.
ويناقش تقرير تنمية البن الصادر عن المنظمة الدولية للبن إمكانات النهج القائمة على تدوير الموارد في الحد من الهدر وتنويع مصادر الدخل وتعزيز الاستدامة البيئية والاقتصادية للقطاع.
مسؤولية مشتركة من الحقل إلى الفنجان
تكشف رحلة القهوة عن منظومة عالمية معقدة تتداخل فيها الزراعة والعمل والتجارة والبيئة والاستهلاك، وتوضح أن الفنجان الذي يصل إلى المستهلك هو النتيجة النهائية لسلسلة طويلة من الجهود والموارد والخبرات.
ومن البذرة والتربة إلى الزراعة والحصاد، ثم التجهيز والتجارة والتحميص والبيع والاستهلاك، تتحدد في كل مرحلة جوانب تتعلق بالقيمة الاقتصادية والمخاطر والأثر البيئي وظروف العمل.
وبهذه الرؤية، يتحول يوم القهوة العالمي إلى مناسبة للتذكير بأن استدامة هذا القطاع تتطلب مشاركة مختلف الأطراف، من الحكومات والمنتجين والعمال وقطاع الأعمال إلى المستهلكين والمؤسسات الأكاديمية والمجتمعات المحلية.
فالقهوة ليست مجرد مشروب يومي حاضر في حياة الملايين، وإنما قطاع عالمي يرتبط بسبل عيش ملايين الأسر، ويجمع بين المعرفة الزراعية والتقاليد الثقافية والتجارة الدولية والعمل والبيئة. ومن هنا تبرز أهمية مواصلة الجهود الرامية إلى بناء سلسلة قيمة أكثر استدامة وإنصافًا وقدرة على مواجهة التحديات، بما يحفظ مواردها ويدعم المجتمعات التي تقف خلف كل فنجان.
للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا
للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا
للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا
للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا
للمزيد من فيديوهات media maghreb بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا
للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا
Share this content:



إرسال التعليق